“عيد الوحدة” يجمع الشيخ واعمارة في عمل فني يرصد حب الوطن والتاريخ والوحدة والهوية
الأغنية الوطنية خطاب فني يحمل الذاكرة ويعيد تشكيلها في صورة وجدانية تغرس في النفوس معاني الوفاء والتضامن والمسؤولية
في عمل فني جديد التقى الكاتب عبد الله الشيخ وعبد الصمد اعمارة، في أنشودة حول “عيد الوحدة” بما يحمله من معانٍ رمزية ودلالات تاريخية، يشكل مناسبة وطنية لاستحضار قيم التلاحم والتضامن والارتباط بالوطن، وتجديد الاعتزاز بالهوية المغربية ووحدة التراب الوطني. كما تتيح هذه الذكرى التأكيد على أهمية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها مقترحا لتسوية قضية الصحراء المغربية في إطار الوحدة الوطنية، وترسيخ آفاق التنمية والاستقرار، وتعزيز روح الانتماء والمسؤولية المشتركة تجاه مستقبل الوطن والأجيال القادمة.
تأتي الأغنية الوطنية، في هذا السياق، باعتبارها أكثر من مجرد لحن مصاحب لمناسبة احتفالية؛ إنها خطاب فني يحمل الذاكرة ويعيد تشكيلها في صورة وجدانية، تستحضر الوطن وتاريخه، وتغرس في النفوس معاني الوفاء والتضامن والمسؤولية. فالكلمة حين تتكامل مع اللحن والإيقاع والصوت، تتحول إلى تجربة جمالية قادرة على ترسيخ الحدث في الذاكرة الجماعية، وجعل الاحتفال مناسبة للتأمل والتعبير والإحساس المشترك. كما تمنح الأغنية الوطنية التاريخ نبضا إنسانيا، وتجعل من الماضي جسرا نحو المستقبل، ومن الفن وسيلة للتربية على المواطنة وصون الهوية الثقافية.
في هذا الإطار، يبرز التعاون الإبداعي بين الدكتور عبد الله الشيخ والأستاذ عبد الصمد اعمارة كلقاء بين الرؤية الفكرية والخبرة الموسيقية. فالدكتور عبد الله الشيخ، من خلال اشتغاله الثقافي والفكري، يسهم في إضاءة الأبعاد الرمزية والتاريخية للعمل، بينما يضطلع عبد الصمد اعمارة، بما راكمه من تجربة في التأليف والتلحين والبحث الموسيقي، بمهمة تحويل المعنى إلى تعبير فني قادر على ملامسة وجدان المتلقي. هكذا يتكامل البعد الفكري مع البعد الموسيقي، ليمنح العمل قيمة تتجاوز الاحتفاء بالمناسبة نحو الإسهام في توثيق الذاكرة الوطنية بلغة الفن.
عبد الصمد اعمارة: مسار موسيقي في خدمة الذاكرة المغربية
عبد الصمد اعمارة موسيقار، مؤلف، وأستاذ باحث مغربي يتحدر من مدينة الصويرة (موكادور)، وُيعتبر من الركائز والأيقونات الفنية البارزة التي ساهمت في إغناء التراث الموسيقي المحلي والمغربي.
أبرز محطات حياته ومسيرته:
الإدارة والتأطير الموسيقي: شغل منصب مدير المعهد الموسيقي بالصويرة، وعمل لسنوات طويلة على تدريب وتأطير الأجيال الشابة وتدريس أصول الموسيقى والآلات وتطوير التعليم الموسيقي بالمنطقة.
التأليف والتلحين: عُرِف بكونه مؤلفاً ملحناً لعدد من الأعمال القصائدية والمقطوعات الموسيقية والأغاني التراثية والفصحى (مثل تلحين بعض قصائد نزار قباني وغيره).
التوثيق والبحث العلمي الموسيقي: يمتلك شغفاً كبيراً بتوثيق تاريخ الموسيقى والتراث بالصويرة والمغرب، وله عدة مؤلفات وكتب توثيقية، من أبرزها:
كتاب حول تاريخ الفرقة الأميرية للموسيقى بموكادور، وتتبع الأشكال الموسيقية والتراثية بالمدينة (كالمديح والسماع الصوفي).
كتاب يتعلق بـ آلة العود وتاريخ الموسيقى بالصويرة.
الدفاع عن التراث: كان دائم المبادرة والمطالبة بتكريم رواد الفن المغربي وتخليد أسمائهم، حيث دعا في مناسبات عدة إلى تسمية مؤسسات موسيقية بأسماء أهرام الفن المغربي (مثل الحسين السلاوي).
يُشار إليه دائماً بوصفه رئيساً ومؤسساً لمبادرات وأعمال فنية ترعى تراث “موكادور” والموسيقى المغربية الأصيلة بصيغ تتوزع بين الحفاظ على العراقة والانفتاح الإبداعي.
إسهاماته في المقالات والكتابات الصحفية والنقدية:
المقالات التوثيقية عن التراث: نشر الأستاذ عبد الصمد اعمارة العديد من المقالات والدراسات في جرائد ومجلات ثقافية مغربية، تناول فيها تاريخ الظاهرة الموسيقية بمدينة الصويرة وتتبع أصول المدارس والفرق التراثية التي شكلت الهوية الفنية للمدينة.
الكتابة في النقد والتحليل الموسيقي: خصص جزءاً من مقالاته لتحليل المقامات، والأشكال الإيقاعية، وبنية الألحان في التراث المغربي والعربي، مع التركيز على جماليات العزف على آلة العود وتطور أساليب الأداء عبر العقود.
المقالات المدافعة عن الذاكرة والرواد: كَتب مقالات رأي وتكريم تهدف إلى إعادة الاعتبار لرموز الفن المغربي وأعلامه الذين طالهم النسيان، حيث ركّز فيها على المطالبة بحفظ أرشيفهم وتوثيق سيرهم الذاتية لتبقى مرجعاً للأجيال القادمة.
البعد النقدي في التدريس البيداغوجي: نشر مقالات تربوية ناقش فيها واقع التعليم الموسيقي بالمغرب، وسبل تطوير المناهج بالمعاهد الموسيقية الوطنية لجمع المعرفة النظرية بالأداء العملي والتفاعلي.
الدكتور عبد الله الشيخ: حين يلتقي النقد الفني بالشعر ويلتزم بقضايا الوطن
يُعدّ الدكتور عبد الله الشيخ، الناقد الفني والباحث في الجماليات والتواصل والإبداع والهندسة الثقافية، أحد الأصوات الفكرية والنقدية المغربية التي جعلت من الفن مجالا للتأمل في الإنسان والذاكرة والهوية. وُلد بمدينة الصويرة سنة 1969، ويعيش ويعمل بالدار البيضاء، حيث راكم تجربة أكاديمية وإبداعية متعددة الأبعاد، تجمع بين البحث العلمي والنقد الفني والترجمة والتأليف.
حصل على الدكتوراه سنة 2012 في موضوع «استراتيجيات التواصل والإشهار في عصر الصورة»، بعد مسار جامعي شمل الأدب والتنشيط الثقافي والهندسة الثقافية والتواصل المؤسساتي. ويعمل أستاذا للتعليم العالي، متخصصا في تاريخ الفن والحضارات وتحليل الصورة ونظريات التصميم، كما يشرف على البحوث العلمية ويسهم في تنشيط الحياة الثقافية والفنية.
غير أن تجربة عبد الله الشيخ لا تقف عند حدود المعرفة الأكاديمية، بل تنفتح على الشعر بوصفه ذاكرة للروح، وفضاء لاستعادة الغائب، ولغة تكشف ما تعجز العبارة المباشرة عن قوله. ويتجلى هذا البعد الشعري في اهتمامه بالتجارب الإبداعية التي تتقاطع فيها الصورة بالكلمة، والفن بالتأمل، والذاكرة بالتخييل. كما يحضر الشعر في مشاريعه المرتبطة بمدينته الصويرة، بما تحمله من حنين إنساني وعمق تاريخي وثراء رمزي.
حصل الدكتور عبد الله الشيخ سنة 1992 على الإجازة في الآداب من كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر بأكادير، عن بحث تناول » التجربة الصوفية الشعرية عند أدونيس: ديوان أغاني مهيار الدمشقي نموذجا. « وقد شكّلت هذه الدراسة مدخلا مبكرا إلى عوالم الشعر الحديث، واستكشاف العلاقة بين الرؤية الصوفية واللغة الشعرية، وأبعادها الرمزية والجمالية والفكرية.
تكشف بعض عناوين مشاريعه الشعرية، مثل «هلالنا الأسود»، تخليدا لذاكرة والده المقاوم محمد الشيخ، و«بحرنا الجامح»، وفاء لذكرى شقيقه الراحل حسن الشيخ، عن ارتباط الكتابة لديه بالتوثيق الوجداني واستعادة الذاكرة العائلية والوطنية. وهنا يتحول الشعر إلى فعل وفاء، وتغدو الكتابة جسرا بين الذاكرة الشخصية والوجدان الجماعي.
أغنى المكتبة المغربية بمؤلفات نقدية وفنية، إلى جانب إسهاماته في الموسوعات والمجلات والمنابر الصحفية، وترجماته لأعمال لبابة لعلج الشعرية من الفرنسية إلى العربية. تُوج مساره النقدي بالجائزة الأولى للشارقة للبحث النقدي التشكيلي سنتي 2021 و2024، تقديرا لإسهاماته في تجديد التفكير الجمالي والنقد التشكيلي العربي.
إن عبد الله الشيخ مثقف يجعل من النقد معرفة، ومن الشعر ذاكرة، ومن الفن وسيلة للإصغاء إلى الإنسان؛ حيث تتجاور الكلمة والصورة، ويتحول الإبداع إلى شهادة على الزمن، وعلى ما يتركه الوطن في وجدان أبنائه من آثار لا يمحوها الغياب.
