رحلة البحث عن كبش العيد

a1f3fe4f-a484-4058-947b-4fcf08f2c6e6

حكايات تختبئ خلف ثغاء الخرفان وضجيج الأسواق

ب. نفساوي

في أزقة المدينة العتيقة، حيث تتصاعد روائح التوابل وأصوات الباعة، تبدأ فاطمة رحلتها السنوية الأصعب. أرملة منذ ثلاث سنوات، تحمل في حقيبة يدها البالية مدخرات شهر كامل، وتبحث عن “كبش العيد” الذي سيحمل ذكرى زوجها الراحل مع أبنائها.
في الساعات الأولى من صباح يوم الأحد، وقبل أن تستفيق المدينة بالكامل، غادرت فاطمة منزلها بخطى متسارعة، تقاوم تعبها وإرهاقها اليومي، على أمل أن تسبق ارتفاع الأسعار أو نفاد ما تبقى من الأضاحي. لم يعد يفصلها عن عيد الأضحى سوى يومين فقط، ما يجعل رحلتها هذه أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
الوجهة كانت سوق المواشي المؤقت “الرحبة” الذي أقيم بمناسبة عيد الأضحى. الأصوات تتعالى، والروائح تختلط، والرجال يتزاحمون حول الماشية. تشعر فاطمة بالغربة في هذا العالم الذكوري، لكنها اعتادت على ذلك منذ رحل زوجها، تعلمت أن تكون رجلا وامرأة في آن واحد.
في زحام السوق، حيث تختلط أصوات الباعة بثغاء الخرفان، تبدأ حكاية يوم طويل لامرأة أنهكها الفقد وأرهقها الغلاء. فاطمة، الأرملة التي تحمل على عاتقها مسؤولية ثلاثة أطفال صغار، تمضي بين صفوف الأضاحي بعينين تبحثان عن أمل، وبجيب لا يتسع لكثير من الخيارات. تشد طرف جلبابها، وتمسك بيد ابنها الأصغر، بينما يسبقها شقيقاه بنظرات فضولية نحو الخرفان ذات القرون الملتوية. تقول بصوت خافت “جيت بكري باش نلقى فين نختار… ولكن تصدمت بالثمن غالي بزاف”.

بين واجب العيد وقسوة الواقع
عيد الأضحى، الذي يفترض أن يكون مناسبة للفرح والتضامن، يتحول بالنسبة لفاطمة إلى اختبار قاس بين الرغبة والقدرة. أطفالها، الذين لا يدركون تفاصيل الغلاء، يسألون ببراءة “ماما، بشحال غادي نشريو الحولي؟.. تبتسم، بينما تخفي قلقها خلف كلمات مطمئنة “إن شاء الله نلقاو شي حاجة زوينة”.

أسعار تحلق خارج القدرة
تتوقف فاطمة عند أحد الباعة، تسأل عن ثمن خروف متوسط الحجم، غير أنها تصطدم بغلاء السعر، فتطيل النظر هنا وهناك بصمت، ثم تشيح بوجهها. فمعاشها الشهري، بالكاد يكفي لمصاريف الكراء والأكل والدراسة.
في زاوية أخرى من السوق، يتكرر المشهد ذاته لدى فاطمة، حيث الأسعار تحلق خارج قدرتها “كنبغي نفرح وليداتي، ما يحسوش بالنقص… ولكن اليد قصيرة”.

رحلة لم تنته بعد
مع اقتراب الظهيرة، تغادر فاطمة سوق الماشية مرة أخرى دون أضحية، لكن دون أن تفقد الأمل. تقول وهي تمسك بأطفالها “باقي يومين… الله يدير شي تاويل الخير”.
في الطريق إلى البيت، تختلط مشاعرها بين الحزن والرجاء. وبينما تواصل رحلة البحث، تبقى قصة فاطمة واحدة من حكايات كثيرة تختبئ خلف ضجيج الأسواق، حيث يصبح العيد حلما مؤجلا، في انتظار فرحة قد تأتي.