الباحث عبد الله الشيخ يصدر أربعة مؤلفات حول قضايا الصورة والتواصل

74c585f6-1ae1-4ae2-b1d4-ae87512fead3

شهد رواقا “خطوط وظلال” و”روائع الكتب”، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط لسنة 2026، تنظيم حفل توقيع للإصدارات الفكرية والنقدية للكاتب والباحث الدكتور عبد الله الشيخ، وسط حضور لافت من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.
وقد استقطب اللقاء عددا من القراء والباحثين والطلبة المتخصصين والإعلاميين الذين توافدوا للاطلاع على أحدث مؤلفات الكاتب، والتي تناولت قضايا التواصل والإشهار والصورة من زوايا فكرية وثقافية متعددة. كما شكل الحفل مناسبة للحوار حول التحولات النوعية، التي يشهدها المجال الثقافي والإعلامي في العصر الحديث، ودور الكتابة النقدية في مواكبة هذه التحولات ودراستها بشكل موضوعي .
وفي أجواء طبعها التفاعل والتقدير، قدم الباحث عبد الله الشيخ أربعة إصدارات حديثة، عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع بالأردن، ويتعلق الأمر بـ” أركيولوجيا التواصل والإشهار..” و”قضايا الصورة في العصر الوسيط..” و”منعطفات التواصل والإشهار من عصر النهضة إلى العصر الحديث” و”التواصل والإشهار في عصر الصورة التمثلات والقيم”، وتبادل الكاتب الحديث مع الحضور وقدم توضيحات حول مضامين مؤلفاته ومسارات اشتغاله البحثي، في حين اعتبر عدد من الزوار أن هذه المبادرات الثقافية تساهم في تعزيز حضور الفكر النقدي داخل فضاءات المعرض الدولي للكتاب.

مُمْكِنَات التواصل ورهانات الإشهار
وقدم معزوز عبد العلي، أستاذ التعليم العالي في الفلسفة والجماليات، قراءة ضافية في مؤلف “التواصل والإشهار في عصر الصورة: التمثلات والقيم” نقتطف من مقدمة الكتاب ما يلي:” يجمع هذا الكتاب بين دفتيه تحليلات معتَبَرَة في مجال المعلومة والتواصل والطفرة الرقمية والإشهار، والجامع بين هذه المجالات المتعددة والمتداخلة مقاربة بين حقول معرفية متقاطعة تتطلب زادا معرفيا مهما، وعُدَّة علمية وازنة، الشيء الذي أضفى على موضوعه جاذبية ومُعَاصَرَة تغوي القارئ بالاطِّلاعِ عليه وتفحُصِهِ، والاستزادة من معارفه” وأضاف معزوز يسلِّطُ الكتاب الضوء على وسائل الاتصال من تلفزيون وإنترنت وصحافة لما تلعبه من دور حاسم في بلورة مضامين الرسائل، وفي تحوير فحواها بما يتفق مع إرساء سلطة خفية ناعمة على أذهان وعقول المستهدفين وجمهور المُتلقِّين. السلطة إذن مُقوِّم أساسي من مقومات وسائط الاتِّصال. فهي ليست بريئة ومحايدة، ولا تنقل المعلومة بتَجَرُّدٍ ونزاهة وموضوعية بل تُسْهِمُ في توجيه العقول، وأحيانا في التلاعب بها بما يخدُمُ منطق السلطة.
تناول المُؤَلِّفُ في السياق ذاته الانعطاف البصري في الثقافة الحديثة، والذي انتهى بتتويج الصورة وتنصيبها المقام الأول في هذه الثقافة. والانعطاف هنا يعني التَّحوُّل من ثقافة الكتابة إلى ثقافة العين، ومن نظام الحرف إلى نظام الأيقونة. تعرَّض الكاتب في السياق ذاته إلى الطفرات الحاصلة في تكنولوجيات الاتِّصال من التماثلي (l’analogique) إلى الرقمي (le numérique) .
وخلص معزوز إلى أن الكتاب يتسم بلغةٍ سَلِسَةٍ تقرب الأذهان من مضامينه، وبأسلوبٍ لا يخلو من إمتاعٍ ومن مؤانسة، كما أن الكتاب استوفى موضوعه من جوانب عدة، واسْتَكْمَلَ مادته، واستوفى اقتباس مقاربات شتَّى، منها الاجتماعية، ومنها النفسية-التحليلية، ومنها التصميمية والتسويقية-التجارية، ومنها المقاربات التواصلية.

الدينامية الجديدة للصورة
على مستوى النقد الجمالي نستدعي هنا صوتا آخر، ويتعلق الأمر بأستاذ الآثار والحضارة الإسلامية ورئيس قسم الآثار الإسلامية – كلية الآثار – جامعة قنا – مصر، عاطف سعد محمد محمود، الذي خلص إلى أن كتاب “منعطفات التواصل والإشهار من عصر النهضة إلى العصر الحديث” يتميز بصفته نصا مفتوحا على التأمل، محكم البناء، غنيا بالقرائن والتحليلات، دون أن يتخلى عن نفس أدبي يضفي على المعرفة جاذبية وعلى الفكرة وضوحا. ففي كل صفحة، نجد امتزاجا بين صرامة البحث ومتعة القراءة، وبين التوثيق العلمي والرؤية الجمالية التي تجعل من الصورة حدثا فكريا لا مجرد مادة بصرية.
وتكمن القيمة الكبرى لهذا المؤلَّف في كونه يعيد الاعتبار للصورة بوصفها قوة موازية للنص، قادرة على إنتاج المعنى وصياغة الوعي والارتقاء بالذائقة. إن الصورة هنا ليست متنا دراسيا فحسب، بل إطار شريك في إنتاج التاريخ، وشحذ الوعي، كما أنا تحمل معالم مشروع حضاري تتداخل فيه الفلسفة بالفن، والعلوم بالتواصل، والخيال بالواقع.
إنه عمل يمنح الباحثين والدارسين في مجالات الفنون والإعلام وتاريخ الأفكار والدراسات الثقافية مرجعا مهما لفهم تشكل المرئي، ويتيح للقارئ العام فرصة فريدة للتعرف إلى المنعطف الذي سلكته الصورة عبر العصور، وكيف تحولت من أثر فني إلى خطاب يوجه الأذواق ويؤطر أنماط العيش. وبين الفكر والجمال، وبين التأصيل والتحليل، وبين الذاكرة البصرية للماضي وتجليات الحاضر، يتقدم هذا العمل ليفتح أفقا جديدا في مبحث الصورة والإشهار، وليعيد النظر في علاقتنا اليومية بالمرئي، بوصفه خطابا لا يقل تأثيرا عن الكلمة، وربما يفوقها حضورا ونفوذا فيl زمن غدا فيه العالم برمته فضاء بصريا مؤمثلا.

صورة الفن بين الإسلام والمسيحية.. حوار الجمال الخالد
في تقديمة لكتاب “قضايا الصورة في العصر الوسيط بين المنظورين المسيحي والإسلامي” أشار البروفيسور الدكتور سلام جبار، باحث وفنان تشكيلي من العراق، إلى أنه مثل التعاشق بين الفن الإسلامي والمسيحي دليلا ماديا على أن الفن هو الجسر الأمتن للتفاهم والحوار القادر على تخطي المحددات الدينية والسياسية. فلم يكن هذا النوع من التفاعل مجرد تقليد أو محاكاة، بل كان عملية إثراء متبادل قادت إلى نشأة أساليب فنية جديدة ومبتكرة، أصبحت جزءا أساسيا من التراث الإنساني المشترك. وأضاف لقد قدمت منجزات الفن التشكيلي الإسلامي والمسيحي مثالا حيا على هذا التداخل والتعاشق في بنية التشكيل وأنساقه ضمن الحضارات التي تألّفت ونهلت من المناخات الدينية الواضحة، وتحديدا بين البيئات الإسلامية والبيئات المسيحية. بل إن التناص بين هذين النسقين يعد من المحطات المفاجئة والمفارقات المدهشة في تاريخ الفن العالمي، سيما مع معرفة نوع الضغوط التي تعرض لها الفن والفنان المسلم، والتي في الوقت الذي حددت فيه كيف وكم إنتاج الفنون، إلا أنها فتحت الباب واسعا لمغادرة المرئي باتجاه اللامرئي للتخلص من محددات التحريم ومتطلباته. وخلص إلى أن رصد هذه الظاهرة بمؤلف أكاديمي منضد بلغة نقدية ومرجعية، تقصي الرصد العاطفي المنشأ، وتُنقب باحتراف ودراية وحبكة، إنما يشكل إضافة نوعية للمكتبة التشكيلية العربية والعالمية، يقدمها الأستاذ الدكتور عبد الله الشيخ، الذي يحلق بنا في عالم من الجمال المخبوء والثاوي في تضاعيف هذا المؤلف الممتع والنافع، فله وافر الاعتزاز وجزيل الشكر على هذه السياحة الجمالية المعرفية التي تستحق أن نفخر بها وبمؤلفها المميز.

حفر أركيولوجي في بنية الخطاب البصري
وفي تقديمه لكتاب «أركيولوجيا التواصل والإشهار» كتب د. نورالدين دنياجي، أستاذ التعليم العالي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، أن عمل الدكتور عبد الله الشيخ يندرج ضمن هذا الأفق التأملي العميق، إذ يقترح قراءة وسائطية شمولية تربط بين التحليل الجمالي والبعد الإبلاغي في بنية الخطاب البصري. ينطلق الباحث من فرضية مفادها أن التواصل والإشهار ليسا ظاهرتين تقنيتين أو تداوليتين فحسب، بل هما ظاهرتان ثقافيتان وحضاريتان تتقاطع فيهما عناصر الإدراك، والتعبير، والتأويل. وهما كذلك نتاج تاريخ طويل من الوسائط التي شكلت وعي الإنسان منذ فجر الحضارة، بدءا من الرسم الجداري، فالكتابة، فالمطبعة، وصولا إلى الشاشة والوسائط الرقمية.
وخلص الدنياجي إلى أنه يمكن إن «أركيولوجيا التواصل والإشهار» ليس مجرد كتاب في الجماليات أو الإعلام، بل هو مشروع معرفي متكامل يستنطق الذاكرة البصرية الجنينية للإنسان، ويستشرف مصير الصورة في زمن العولمة والافتراض، طارحا السؤال المحوري: كيف يمكن للفكر العربي أن يستعيد قدرته على إنتاج صورة تعبر عن ذاته الحضارية، لا عن استهلاكه لصور الآخر؟
إنها دعوة إلى تحرير الصورة من سطوة السوق، وتحرير الإنسان من استلاب الصورة، من خلال بناء وعي بصري نقدي يوازن بين الحس الجمالي والمسؤولية الثقافية. هذا هو رهان المشروع الذي يقدمه الدكتور عبد الله الشيخ، باعتباره جسرا بين الفكر والفن، بين النظرية والممارسة، وبين التراث البصري الإنساني وأفقه المستقبلي في ظل الثورة الرقمية.