صيف الجديدة.. حيث يلتقي البحر بصهيل الخيول
مدينة تنام على ضفاف المحيط الأطلسي في حاجة إلى إقلاع تنموي حقيقي
في قلب الساحل الأطلسي، حيث ينسج البحر خيوطه الزرقاء على رمال ذهبية دافئة، تستيقظ مدينة الجديدة كل صيف على مشهد فريد، حيث يلتقي البحر بصهيل الخيول، في توليفة طبيعية وثقافية نادرة تثري المكان والإنسان.
من شاطئ الحوزية مرورا بالدوفيل، وصولا إلى سيدي بوزيد وسيدي عابد، يتراءى الشريط الساحلي للجديدة كلوحة فنية متكاملة، تتناغم فيها عناصر الطبيعة بصفاء، حيث الهواء مشبع برذاذ الموج وملوحة الذكريات، وحيث المساحات الممتدة تدعو عشاق الهدوء والاستجمام إلى نزهات لا تنتهي.
حين تحتفي الخيل بالبحر
مع بداية شهر غشت من كل سنة، تتحول الجديدة ومحيطها إلى عاصمة للفروسية التقليدية، حيث يحتضن موسم مولاي عبد الله أمغار واحدا من أكبر المواسم في المغرب. تنصب الخيام على جنبات البحر، وتتعالى أصوات البارود في عروض “التبوريدة” التي تقدمها “السربات” القادمة من مختلف الجهات، في مشهد يعكس تجذر الفروسية في الذاكرة الثقافية المغربية.
هنا، يلتقي صهيل الخيل بموج البحر، وتستعاد الملاحم القديمة بألوانها الزاهية، ويحتفي المكان بالهوية المغربية في أبهى صورها، حيث تتناغم الأصالة مع البحر، وتخلد التقاليد بقوة وفخر.
ولأن الخيول باتت جزءا من هوية المدينة، أصبحت الجديدة منذ سنوات تحتضن واحدا من أضخم التظاهرات الفروسية في القارة، ويتعلق الأمر بمعرض الفرس للجديدة، الذي يستقطب سنويا عشاق الفروسية من داخل المغرب وخارجه.
هذا المعرض لم يعد مجرد فعالية موسمية، بل تحول إلى عنوان دائم لارتباط المدينة بتيمة الفرس، ورسخ موقع الجديدة كعاصمة وطنية للفروسية، تحتفي بهذا الرمز الثقافي والتاريخي عبر معارض وندوات ومنافسات وعروض حية تستقطب آلاف الزوار.
باتت الفروسية اليوم رافعة ثقافية وسياحية للمدينة، ومجالا للاستثمار في الذاكرة، كما في المستقبل.
الجديدة في حاجة إلى إقلاع تنموي حقيقي
الجديدة ليست فقط محطة اصطياف موسمية، بل مدينة تتنفس التراث وتحتضن مزيجا فريدا من العمق المغربي والبصمة البرتغالية التي ما تزال حاضرة في المعمار والتاريخ.
ورغم كل ما تملكه من مقومات سياحية وثقافية وبيئية، إلا أن المدينة تظل في حاجة ماسة إلى مشروع تنموي شامل يعيد تموقعها كوجهة سياحية مستدامة. فالجديدة، برصيدها الرمزي وبموقعها الجغرافي الاستراتيجي، تستحق أكثر من مجرد موسم صيفي. هي بحاجة إلى كورنيش عصري يليق بجمالها الطبيعي، وبنية تحتية حديثة تحفز الاستثمار، ومؤسسات إيواء تستجيب للمعايير الدولية. كما تحتاج إلى رأسمال بشري مؤهل يواكب طموحات ساكنتها وزوارها على حد سواء.
ويبقى الأمل معقودا على إرادة جماعية مسؤولة، من سلطات محلية ومنتخبين وفاعلين اقتصاديين وثقافيين، يعون جيدا أن هذه المدينة تستحق أكثر، وأن الاستثمار في مؤهلاتها ليس ترفا، بل ضرورة ملحة لضمان غد أفضل، تكون فيه الجديدة واجهة بحرية تزهو ببيئتها، وتفتخر بثقافتها، وتستثمر في أبنائها. فالجديدة ليست فقط مدينة بحر وفروسية، بل هي قصة تاريخ يتقاطع فيه التراث البرتغالي مع العمق المغربي، وحكاية مدينة تطمح أن تكون محطة للإقلاع التنموي الحقيقي.
من أجل تخطيط استراتيجي
لقد آن الأوان لمدينة الجديدة أن تخرج من جلباب “الانتظار” إلى مرحلة الفعل والتخطيط الاستراتيجي، وأن تتحول من مدينة موسمية ترتبط بالصيف فقط، إلى مدينة تخطط للمستقبل، لقطب اقتصادي وثقافي دائم الجاذبية. مدينة توفر لساكنتها ولزوارها أسباب العيش الكريم والراحة والاستمتاع، وتعيد الاعتبار لهويتها وتاريخها، وتمنح لأجيالها المقبلة فرصا حقيقية للنماء والازدهار، لكون التنمية ليست مجرد شعارا يردد في المناسبات، بل التزام يومي، وعمل جماعي متكامل، لأن الجديدة قادرة على خوض هذا الرهان، متى تضافرت الجهود وارتفع سقف الطموح.
ب.نفساوي
