عبد الله والعيد: 5 أكتوبر.. عيد، بأي حال عدت يا عيــد
(ملاحظات على هامش الاحتفال باليوم العالمي للمدرس)
أن يصبح لنساء ورجال التعليم يوم خاص بهم، هو 5 أكتوبر، فتلك ليست علامة جيدة، فأن يقرر العالم تخصيص يوم لموضوع أو هيأة أو كيان معين، فمعنى ذلك، في وجه من وجوهه، أن وضعــه ليس بخير، ومعناه أن العالم بدأ يشعر بالذنب، وصار معنيا بالتكفير عن خطيئاته عبر تخصيص زمن للتفكير في الموضوع، لأجل الارتقاء بوضعه، أو التذكير بأهميته المنسية، أو الخروج به من أزمته.
عندما كتبت أدا أبراهام ADA ABRAHAM كتابها الجماعي الشهير الذي أشرفت عليه: المدرس إنسان L’Enseignant est une personne (قد لا تكون الترجمة دقيقة لغويا، ولكنها تفي بالمعنى المتحقق في الكتاب) كانت تعطي لأزمة المدرس هذه، والتي يعرفها الجميع، صيغتها ووجهها الأكاديمي دوليا.
فكتابها المذكور دراسة اجتماعية نفسية للشخصية المِهْنِية للمدرس. تكشف أن فئة المشتغلين بالتربية عُرضة لشتى الأمراض العُصابية névroses والذُّهانية psychoses. كما تشير إلى أنه خلال زيارة لأحد مستشفيات الأمراض النفسية، ظهرت ملاحظة تدعو إلى التأمل والقلق: حوالي ثلث المرضى المقيمين بالمستشفى هم مدرسون.
يحق لنا، إذن، أن نســأل في هذا اليــوم: ما الذي يقدمه العالم للمدرس؟
مزيد من الضغط والإجهاد المهني، ساعات عمل أكثر، اكتظاظ في الأقسام، زيادة في المهام والأعباء، تحطيم ممنهج لسلطة المدرس ومكانته الاعتبارية، إلغاء لشخصيته ولروح المبادرة لديه، وتحويله إلى روبوت يُطلب منه تطبيق الأوامر بدل الإيمان بإبداعيته، مذكرات تحاصره من كل جانب وتحصي أنفاســه، أجور متدنية قياسا إلى باقي الوظائف، اعتداءات متتالية من التلاميذ، أو من أهاليهم. والأخطر خطاب إنسانــوي يوغل في التركيز على مركزية التلميذ، وهو أمر لا يعارضه أحد، ولكن ليس على حساب المدرس. ولهذا تأتي أدا إبراهام لتذكرنا أنه إذا كان التلميذ إنسانا فالأستاذ، وهذا ما ينبغي أن يفهمه ويعيه الجميــع، ليس أقل من ذلك. فهو ليس آلة للتعليم، وإنما كائنا إنسانيا، له مشاعره وعواطفه وانتظاراتــه، وله أيضا حــدوده.
صار التلميذ يأتي إلى القسم محملا بفكر حقوقي تحريضي متخم: الأستاذ ليس من حقه كذا، الأستاذ ليس من حقه أن يفعل كذا . . . الأستاذ ليس من حقه أن يقول كذا . . . يأتي دون أن يهمس لــه أحد أنه بقدر ما يملكُ حقوقا تَـنْـبَغــي لــه، فإن عليه واجبات اتجاه المدرسة، واتجاه الحجرة التي يتقاسم وجودَهُ فيها مع غيره، واتجاه زملائه، واتجاه الدرس، واتجاه المدرس . . . لا يخبره أحد أن المكان الطبيعي للتثاؤب والنــوم هو البيت، وليس القسم . . . لا يخبره أحد أن مكان الثرثرة مع الأصدقاء هو منزل العائلة أو المقهى أو الحدائق العمومية . . . ولا يخبره أحد أن الدرس لا ينجح فقط بالمدرس الجيد ولا بإرادة هذا المدرس، بل التلميذ أيضا مسؤول عن هذا النجـــــاح . . . لا يخبـــره أحد أن الإنصــــات للشـــروح وكتابة الدروس والتفاعل داخل القسم هي واجبات لا تقبل الجدل . . .
لهذا نتساءل ما الذي ينبغي القيام به فعلا إزاء الخامس من أكتوبر؟ هل نحتفل؟ وما معنى الاحتفال في سيــاق يمارس كل أشكال العنف والجحود والإقصاء ضد المدرس ويلغي إنسانيته؟ أم نجعل هذا اليوم يوما للاحتجاج والتذكير بأن أوضاع مدرسينا وأوضاع مدارسنا ليست بخير، ونحن بحاجة لمراجعات كبيرة، تعيد الأمور إلى نصابها؟
نتائج البرنامج الدولي لتقييم المتعلمين(بيزا) التي احتل فيها تلامذتنا مرتبة غير مشرفة بالمرة (المرتبة 83 من أصل 91 دولة) تسائلنا، ولكن الأخطر أن هذا المستوى شهد تراجعا قياسا إلى آخر مشاركة، والأخطر منه أن هذا التراجع، كما أكد البرنامج، هو حالة عامة، مست دولا كثيرة. وهو ما يسائل أوضاع المدرسة، ويسائل الاختيارات العامة التي أخذتها مسارات التربية، خاصة في النموذج الغربي الذي للأسف ما زلنا نقتفي خطاه وهي الموسومة بالتعثر، عدا بعض الاستثناءات،كما يفتح عيوننا على القفزات التي يحققها النموذج الأسيوي الموسوم بالصرامة في كل ما له صلة بالتعليم، وحيث قيمة المعلم لا تقبل التفاوض.
ولكن أليس الاحتفال والاحتفاء بنساء ورجال التعليم، في هذا السياق الملغوم والجاحد لأفضالهم، هو أكبر احتجاج يمكن أن يمارسه المنتمون إلى المهنة والمجاورون لها، نكاية في الأوضاع الحالية، ونكاية في كل من يدفع بهذه المهنة إلى الحضيض. وخاصة إذا كان هذا الاحتفال صادقا، نابعا من قلوب تؤمن برسالة المعلم.
ولكن الاحتفال لا ينبغي أن يُـختزل إلى اجترار ذات الطقوس، وذات العبارات والأبيات التي أصابها البلى من كثرة تكرارها، حتى فقدت أي قدرة لها على ابتداع الفرح، وعلى تمثيل التقدير. الاحتفال الحقيقي ينبغي أن يكون بالتفكير في المهنة، وفي الأشكال التي تستعيد بها ألقها الذي فقدته في زحام الأعطاب التي تراكمت.
ولعل تكريم الأستاذ يبدأ من الاعتراف بالمسؤولية الجماعية عن الكارثة التي وصل إليها التعليم بالمغرب، بدل إلصاق التهمة بالمدرس وحده، بدءا من الأسرة التي تخلت عن أدوارها، وصارت تحصر دورها في توصيل الأبناء إلى أبواب المدرسة، مرورا بالإعلام الذي يدمن على تصيد أخطاء نساء ورجال التعليم، مستعملا لغة سُمّية في الحديث عنهم، مهملا التجارب المضيئة التي تزخر بها المدرسة المغربية. لا يعني ذلك إلجام الإعلام عن نقد ما يحدث داخل المدرسة، فنساء ورجال التعليم أحوج ما يكون إلى خطاب إعلامي يقظ ومنصف، يقف عند الأخطاء (وهي، على كل حال، موجودة)، ويرصد النقائص بلغة تحليلية نقدية بناءة وإيجابية، تساهم في الارتقاء بالمهنة، ولكن يحتفي أيضا، من باب الإنصاف، بالتجارب المشرقة، وما أكثرها؛ مرورا بالمجتمع الذي صارت تمثلاتُـه عن المدرسة، أو عن بعض المواد من أهم العوائق التي تمنع قيام المدرسة بأدوارها، وتهزم المدرسة في معركتها حتى قبل أن تبدأ.
إن التلميذ الذي يدخل إلى القسم، بعد أن سمع في الوسط الأسري، أو في الشارع، أن المادة الفلانية أو المادة العلانية ليست مهمة، وأنها مجرد مضيعة للوقت، سيجعل مهمة المدرس معقدة ومشتتة على واجهتين: إنجاح الدرس، وقبل ذلك، ومن أجل ذلك، إقناع التلميذ بأهمية وفائدة الدرس. وتلك مهمة تَــوَلـّـــى غيرُه إفسادهــا؛فما بالك بالتلميذ الذي يأتي إلى القسم، وليس لديه أي رغبة أو استعداد للقيام بمهنته: التَّعَـلُّـم. فقد تكفل المجتمع، عبر مؤثريه وإعلامه البئيس وجوائزه المفلسة (الاحتفاء بالتافهات والتافهين) بتغيير بوصلة الاهتمام عند الأجيال الجديدة، وجعلها تعتقد أن النجاح ممكن دون العبور بالمدرسة(تبدل تمثل فكرة النجاح هو نفسه يحتاج إلى دراسة سوسيولوجية)؛ وصولا إلى الوزارة الوصية، أو بالأحرى إلى الدولة، على ما بينهما من تباين، فالوزارة متبدلة متغيرة، عمرها من عمر الحكومة. أما الدولة فثابتة مستمرة، وفي بلد لم يستكمل بعد بناءه الديموقراطي لا يبدو أن القرارات المصيرية للمدرسة تكون بيد وزارات التربية. ولذلك فإن الدولة تتحمل النصيب الأكبر من فشل المدرسة المغربية، عبر خطابها المزدوج: خطاب للاستهلاك الإعلامي، تمجد فيه المهنة، وتؤكد فيه سعيها إلى خلق جاذبية لها، وتدعي فيه اعتبارها ورش إصلاح المدرسة المغربية الورش الثاني على قائمة سلم اهتماماتها بعد ورش استكمال الوحدة الترابية؛ وخطاب عملي مفارق، أساســه عدم الثقة في المدرس وابتداع الطرق لإهانته.
في هذا السياق، يتحدث الكثيرون الآن، مثلا، عن ضعف مستوى المدرس المغربي. وهو أمر لا يمكننا أن ننكره كليا. ولكن من يتحمل المسؤولية؟
بالنسبة لي فالمسؤول الأول عن الوضع هو الدولة نفسها، من خلال استهتارها بمدخلات المهنة، على مستوى اختيار أساتذة الغد. ولنا فيما حدث سنة 2016، عندما جرت الدعــوات إلى مقاطعة المباراة الأولى التي ستفتح المهنة على مأساة التعاقد خيـر مثال. فقد عمدت الدولة إلى قبول كل المهرولين الذين كسروا نداء المقاطعة، والتحقوا بالمباراة، كيفما كان مستواهم الدراسي (يمكن لأي شخص أن يلقي نظرة على التقارير الإعلامية التي صاحبت الحدث، والتي تؤكد أن كثيرا من العابرين الجدد إلى المهنة كانت معدلاتهم متدنية جدا، بل كانت أقل من المعدل) فقط من أجل تكسير المقاطعة، وتكريس اختيار ستكون له تداعياته المكلفة على مستوى المدرسة المغربية، وكان من الممكن وأده في البداية لولا ما حدث. وعندما تَغيبُ الصرامةُ في اختيار المدرسين، فلا يمكن للدولة، أو من يمثلها، أن تلوم، بعد ذلك، من أدخلته بأعطابه التي عرفتها وتبَيَّـنَـتْــها على التقصير الذاتي، أو على الأخطاء الجسيمة التي قد يرتكبها، في حق المهنة، أوفي حق التلاميذ، فهي لا تعدو أن تكون تحصيل حاصل.
ضمن عناصر الاستهتار بمدخلات المهنة يمكن أن نشير أيضا إلى ما تعيشه مراكز تكوين المدرسين بالمغرب، من حيث الكفاءات التي تستقطبها (طبعا الاستثناءات تبقى قائمة)، ومن حيث أنواع التكوين التي يتلقاها أساتذة الغد، وضمنه يدخل أيضا الغياب شبه الكلي للتكوين المستمر.
ضعف مستوى كثير من المدرسين يبدو، إذن، قرارا مخططا له، وإذا أحسنا النية، على الرغم من أن لا شيء يدفع في اتجاهها، قرارا ناتجا عن غياب التخطيط وضبابية الرؤية.
يدخل في المنظور العملي المفارق للوزارة كذلك غياب أي نظام تحفيزي للمدرسين أسوة بباقي القطاعات، فمع الأجور المتدينة قياسا إلى الموظفين الآخرين المرتبين في نفس السلالم، يزداد الأمر تلبكا من خلال غياب أي مداخيل إضافية شهرية ناتجة عن طبيعة أداء المدرسين، وخالقة للتنافس بينهم. حتى التحفيز الموعود به لأساتذة مدارس الريادة، تم التحايل عليه بشكل حقير، في اتجاه التقزيم، بل الحرمان. أما بعض التعويضات المترتبة للمدرسين نظير خِدْمات حقيقية كالتصحيح والحراسة . . . فهي على هزالتها المجحفة، تحتاج للحصول عليها، في كثير من الأحيان، إلى رسائل ورسائل تذكيرية واستعطافات أو عرائض أو وقفات احتجاجية؟؟؟ أي احتقار أكبر من يجد المدرس نفسه، بعد قيامه بعمله، مجبرا على توقيع عريضة أو الحضور إلى وقفة احتجاجية للحصول على تعويضات أقل مما يمكن أن يحصل عليه أي موظف كسول، في أي قطاع آخر، نظير خدمات افتراضية وليست حقيقية.
ولكن ربما أخطر ما يواجهه رجل التعليم هو أن الدولة، عوض أن تتحمل مسؤوليتها فيما آلت إليه أوضاع المدرسة المغربية، تمكنت، بشكل أو بآخر، من تحريف مسار المحاسبة، فصار المجتمع يحاسب المدرس على أمور لا يتحمل فيها أدنى مسؤولية. يتعلق الأمر بالمقررات المتقادمة، ومناهج وطرق التدريس، والأوعية الزمنية المخصصة للموادمن ناحية، وللدروس من ناحية أخرى، وعدد الساعات التي يقضيها التلاميذ في المدرسة، وعدد التلاميذ في الحجرات الدراسية. فالأستاذ لا يستشار في هذه الأمور. وليس له أي سلطة عليها. ولعله أن يكون أول الغاضبين منها؛ لأنه وحده من يعرف فعليا الوضع المرتبك الذي تخلقه داخل حجرات الدراسة.
خلاصة الأمر: لا يريد الأستاذ في يومه العالمي من الدولة، عبر وزارتها الوصية أن تنشر في موقعها الرسمي رسالة تهنئة باردة ومكرورة، مهما بلغت عباراتها من التطريز والتنميق. إنه يريد إجراءات ملموسة، وقرارات شجاعة،تعترف له بإنسانيته، وتعيد له كرامته المغتصبة، ومكانته التي تنبغي له داخل المجتمع.كذلك لا يريد المدرس من أي مسؤول كيفما كان، مديرا، أو مسؤولا إقليميا، أو مسؤولا أكاديميا، سوى الاحترام الحقيقي الذي يتمثل في السهر والانشغال الفعلي بتوفير ما يضمن له أن يقوم بعمله بكرامة، كل من موقع مسؤوليته. غير هذا حبر آثم ومتواطئ ضد نساء ورجال التعليم.
عبد الله والعيد ــــــ الجديدة 11 أكتوبــر 2026
