“كونتيسا” للشاعر كمال الإدريسي مسار درامي داخلي
ذ: ياسين الخمليشي

في ديوان الشاعر والمسرحي كمال الإدريسي الصادر عن منشورات الأطلس للثقافة والإبداع “كونتيسا قصيدة واحدة لامرأة وحيدة” تتكثف العناوين كأنها شظايا صوت داخلي، كل عنوان ليس مجرد مدخل لقصيدة، بل حالة وجودية مكتملة، فالكونتيسا ليست مجرد امرأة، بل كائن واعٍ بعزلته
كما أن الاختيار الجمالي للكاتب في البناء الحروفي يشكل منهجا لغويا وبنيويا، وكأن كل حرف يمثل حالة نفسية مختلفة، وهو ما يجعل من الديوان تفكيكا تدريجيا لشخصية واحدة عبر الحروف، أي أن: المرأة تُكتب… ثم تُعاد كتابتها… ثم تتلاشى في اللغة.
لنخلص إلى الرحلة الدرامية الداخلية للكونتيسا ” قصيدة واحدة لامرأة وحيدة” بدءا من الوعي بالذات والانغلاق عليها “قلبي قلبك- صيري فراشة- ينأى العشق ويصعب- دليل العاشق العمى- تلك النشوة قصف البروق” ومرورا بالصراع ومحاولة فهم الذات والأخر
“وحدي في المهب- أنا حزين- حكيت عنك- دوسي على الأثر- تتورد وترقص- لك الليل- أمهليني وقتا- مشتك أجتر الدمع- ردي لي الليل- أجلي اللقاء- تتفتت أمواج” وانتهاء بالصمت والذوبان والاشتياق
“وصل النور للزهر- حبيبي الوحدة فجاعة- يلذ لي أن أبكي- دليني أين مكانك- تعالي”.
وإذا ما استغرقنا في مساءلة الكونتيسا وفهم اتجاهاتها نجدها تؤسس لمدخل فلسفي -نفسي- اجتماعي، فالأول ( فلسفي) يخلص إلى فكرة جوهرية تتضح معالمها في الحرية التي تتحول إلى عبء يصعب معه محاورة الذات وفهم الحياة ومجابهة الصراعات والثاني ( نفسي) يتمحور بالأساس في العزلة وتفكك الهوية و القلق والانغماس على الذات ، والثالث ( اجتماعي ) يظهر في سلطة المجتمع الذي لا يمنح للأنثى صوتا حقيقيا، و لا يتيح لها الإفصاح عن دواخلها.
وإذا ما دققنا النظر في الديوان “كونتيسا” وجدناه لا يقتصر في حديثه فقط عن المرأة، وإنما يتعداه إلى الحديث عن الذات حين تُحبس داخل وعيها، وعن اللغة حين تفقد قدرتها على البوح وتلبس
لباس الخداع، وعن الوحدة حين تتحول إلى هوية…
إننا في الكونتيسا لا نقرأ قصائد فحسب بل نقرأ شبح امرأة تتآكل ببطء داخل الحروف.
وانطلاقا مما سبق نفرد الكونتيسا كمسار درامي داخلي يصل ذروته ويعتلي قمته فيصيبه الأفول والانكسار ثم يعاود الانتشاء والانتماء، لنؤكد أن الكونتيسا تاريخ متعاقب وفكرة وجودية متجذرة في الإنسان ومنتشرة في الأكوان.
فالكونتيسا ذوبان بين الذات والآخر ودعوة للتحول واستحاله للامتلاك، وحب لا يبصر وذات بلا استقرار وانفجار داخلي يؤلم، واعتراف عار ومحاولة لمحو الذاكرة وجسد يستعيد لغته، واستعراض للزمن واجترار للألم وحنين إلى القلق وتأجيل للمواجهة، وانكسار للمشاعر وومضة أمل وحب للعزلة ولذة للألم وبحث بلا خريطة ونداء أخير….
بهذا تكون الكونتيسا قد رسمت مسارا وجوديا دراميا وأكدت أنها صوت داخلي يبحث عن الآخر ليكتشف أنه كان يبحث عن نفسه.
بالدخول إلى عوالمه.
أما من حيث التشكيل، استطاع الغلاف أن يحقق توازنا دقيقا بين الجاذبية البصرية والحمولة الدلالية، حيث تتجاور العناصر الفنية في انسجام يشي بحسّ جمالي واع. كما أن اختيار الألوان لم يكن اعتباطيا ، بل جاء مشحونا بإيحاءات رمزية تعكس أجواء العمل الشعري وتوتراته الداخلية.
أما على مستوى الخطوط، فقد وُفّقت في إبراز عنوان “كونتيسا” بطريقة لافتة، تمنح الكلمة حضورا طاغيا وتؤكد بعدها الرمزي، وكأن العنوان نفسه يتحول إلى مفتاح قراءة أولي للنص.
نجاح هذا الغلاف يكمن أيضا في قدرته على خلق فضول جمالي لدى المتلقي، إذ يطرح أسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة، وهو ما يشكل أحد أهم وظائف الغلاف الإبداعي: الإغراء دون الإفصاح الكامل.
بذلك، يمكن القول إن المبدع حسن يارتي لم يصمّم غلافا فحسب، بل قدّم قراءة بصرية موازية للعمل، تضيف إليه ولا تكرّره، وتفتح أمامه أفقا تأويليا رحبا.
