قراءة عاشقة في ديوان” كي لا تبكي” للشاعر عدنان مشهي

b5fa7fe6-01bf-46f8-b0a2-91e6ff4677ca

قراءة عاشقة في ديوان” كي لا تبكي”
للشاعر المغربي عدنان مشهي

بقلم : ذ،أحمد حكيم

في البدء كانت الهدية:
أهداني صديقي الشاعر عدنان مشهي ديوانه الموسوم ب”كي لا تبكي”، فنظرته فإذا هو مقطع شعري حافل بدلالات شعرية رفيعة، مصاغ بأساليب لغوية بديعة، يبدي لك حين تقبل عليه اللفظ الأنيق، والمعنى الرشيق، والخيال الرقيق، والاتساق الدقيق، ثم إني ـ بهذه الهدية ـ تذكرت قول ابن الرومي رحمه الله تعالى:
كل الهدايا رأيت صنوفها إلا الكلام ففيه ما لم يسمع
فالهدية لا تعبر عن العطاء والأخذ والبذل والقبول، بل إنها توطد أواصر المحبة بين المتهادين، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”تهادوا تحابوا”.
سنقف عند هذا الذي فيه ما لم يسمع، ونقرأه بما تهيأ لنا من أدوات، وبما يسعفنا فيه ذوقنا، لنقدم فيه قراءة عاشقة، قراءة تلغي ما تفرضه المستويات النظرية، وتحيد عن الذي تحث عليه المناهج، وتشق لنفسه مسارا تنتهج فيه السمت الذي يرتضيه الذوق، ويرتديه أسلوب العشاق.
“لي”
تعد هذه الوحدة المعجمية مركبا من حرفين، فالحرف الأول يتمثل في اللام، وهو حرف جر يدل على الملكية، بينما الحرف الثانية وهو ياء المتكلم فهو يمثل الاسم المجرور.
اتخذ الشاعر هذه السمة اللفظية نواة أو لنقل عقدة/Noeud، لينظم بها خطابه الشعري، ويجعلها محوارا أساسا للديوان كله، فالمتأمل في “لي” يجدها مركزا منظما للخطاب/ un centre organisateur du discours، لأن معاني الديوان كلها تنتهي لهذه الوحدة المعجمية التي هي نواة الديوان وعقدته، فالديوان الشعري تنتهي معانيه كلها إلى ذات الشاعر، فهو حكي متشاكل العناصر عن ذات الشاعر التي تملك دمعا غزيرا وافرا، دمع يستطيع إغراق البسمات المتعالية، المطلة من الأفق، فدمع الشاعر قادر على إغراق العالي المطل من الأفق لغزارته.
يرسم الشاعر هذه الصورة السائلة مبالغا في معناها، يقول:
“لي
من الدمع
ما يكفي
ليغرق
بسمة
واحدة
تطل من الأفق”
فهو هنا يلمح لقول أبي تمام ويتناص معه:
فالسيل حرب للمكان العالي.
ويحيد عن قول ابن الرومي:
بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي
فالشاعر هنا لم يتخذ الدمع آلة للشفاء كما عند ابن الرومي وغيره من سابقيه، بل ادعى إليه الإغراق، وهو بهذا يتناص جزئيا مع قول المعتمد بن عباد:
وأغرق الدمع آماقا وأحداقا
لكن دمع الشاعر بخلاف دمع المعتمد بن عباد، الذي يغرق الجوارح المحسوسة، فدمع شاعرنا يغرق المعاني المجردة وينتزعها من هياكلها التي تتبناها.
فذات الشاعر في هذا المقطع كلمى حزينة.
ثم يحيد الشاعر عن امتلاكه دمعا غزيرا إلى الحديث عن امتلاكه حزنا كثيرا، وينتقل من وصف حالته الخارجية، إلى الحالة الداخلية، يقول في المقطع الثاني من الديوان:
“ولي
من الحزن
ما يكفي ..
ليبعثر
بقايا
فرحة عنيدة
غارقة..
في دمي ”
فالشاعر يبالغ في هذا المقطع أيضا حيث إنه يملك من الحزن ما يجعله يبعثر الفرح العنيد، الذي يستعصي على الزوال، فهو بهذا يتناص مع ابن الرومي الذي عبر عن نفسه بقوله:
أنا ذاك الذي سقته يد السق م كؤوسا من المرار رواء
ومع محمد مهدي الجواهري:
لم يبق عندي ما ينتزه الألم
فهذان المقطعان يتأسسان على مبدأ الثنائيات الضدية، ويشكلان معا النواة الكبرى للديوان، وينتظمان معا في سلك محكم، وهو ما سماه ألجيراد جوليان كريماس “المربع السيميائي”.
فالمقطع الأول يقوم على ثنائية: دمع/بسمة، ويمكن التمثيل له في النحو التالي:
دمع # بسمة

لابسمة # لادمع

وأما المقطع الثاني فينهض على ثنائية: حزن/ فرحة، ويمكن التمثيل له في النحو التالي:
حزن # ضحكة

لا ضحكة # لا حزن
فالشاعر هنا يجمع بين متضادين يتضاد نوعهما، فهو لم يجمع بين الدمع والضحك والحزن والفرح، ليكون المتضادان معا مذكرين، بل جعل نوعيهما يتضادان، فالدمع والحزن مذكران في مقابل البسمة والفرحة مؤنثان.
فهل يرمي الشاعر هنا إلى تغليب التذكير وتسلطه على التأنيث؟
أم هل يريد أن يبين بأن التأنيث لم يسطع التصدي لقوة التذكير؟
وحين انتهى الشاعر من رسم هذين المقطعين الأولين، تدفقت قريحته الشعرية معللة أسباب الحزن الذي يستولي على الشاعر، والدمع الذي يفيض من أجفانه، متخذة من نماذج الشعر القديم بعضا من معانيه، طالقة العنان للخاطر أن يتوارد مع سابقيه، فالشاعر يتناص مع كثير من الأبيات الشعري السابقة.
:فقوله:
“ريح الأحلام
البيضاء
تلك التي
تجر جوادي
إلى حيث ..
لا أدري
حيث
لا مكان
وحيث..
لا زمان”
: تناص مع قول أبي الطيب المتنبي:
وأيا شئت يا طرقي فكوني…..أذاة أو نجاة أو هلاكا
ليخلص في ختم الديوان إلى مناداة الليل بقوله:
“!أيها الليل”
ليفضي إليه بما تعج به ذاته المكسورة من تحسر وخسارة، فهو لم يستفد من الليل، ولا من سكونه، ولم يستمتع بنجومه، وهو بهذا يعترف لليل بأن الذات الشاعرة بلغت منتهى الحزن والإنكسار والخسارة.
يشعرنا هذا الختم الشعري العدناني بكثير من معاني الشعر القديم، ذلك أن الليل استولى على أحياز كثيرة في قصائد القدامى المكلومين، فهذا ابن خفاجة يقول:
أبى البرق إلا أن يحن فؤاد ويكحل أجفان المحب سهاد
فبت ولي من قانئ الدمع قهوة تدار ومن إحدى يدي وساد.