“فن الملهمة” يوحّد تنوّع التجارب التشكيلية: 13 فنانًا مغربيًا يبدعون 35 لوحة في البيضاء
في أفقٍ جمالي مفتوح على التعدد والاختلاف، يواصل رواق “فن الملهمة” بمدينة الدار البيضاء احتضانه لمعرض جماعي متميز، يمتد إلى غاية 5 يناير 2026، ويجمع تجارب 13 فنانا تشكيليا من مناطق مختلفة من المغرب، من بينهم ثلاث فنانات، تحت شعار دال: “نقطة تجمع”.
المعرض، الذي يندرج ضمن البرنامج الثقافي والفني للرواق، يقدم للزائر تجربة بصرية غنية من خلال 35 لوحة، حضرت فيها تقنيات وأساليب متعددة، وتجاورت فيها مدارس فنية مختلفة، من الواقعية إلى الحروفية، ومن التجريدية إلى الانطباعية، في تناغم بصري يؤكد أن الاختلاف يمكن أن يكون منبعاً للانسجام لا للتنافر.
وحسب بلاغ للمنظمين، فإن هذا الموعد الفني يشكل فرصة حقيقية لتلاقي التجارب، وتبادل الرؤى، وفتح حوار جمالي بين فنانين يشتغلون على مواضيع متباينة، لكنهم يتوحدون في عشق اللوحة والبحث عن المعنى عبر اللون والخط والفضاء. وقد عكس تنوع أحجام الأعمال المعروضة، كما تقنياتها، هذا الغنى الأسلوبي والجرأة التعبيرية، إلى جانب حضور أعمال بأحجام كبيرة، منها لوحة بمقاييس كبيرة جسدت الوالي الصالح سيدي عبد الرحمان بشاطئ عين الذئاب، وتفنن التشكيلي في تصوير مشهد يجمع بين البحر والسماء الزرقاء وضريح سيدي عبد الرحمان بنتوءات بارزة.
وشهد حفل الافتتاح حضور ثلة من الفنانين والنقاد والمهتمين بالتشكيل المغربي، حيث لقيت الأعمال المعروضة استحسانا كبيرا، وتحول الفضاء إلى منصة للنقاش وتبادل وجهات النظر والخبرات، في لحظة ثقافية احتفت بالفعل الإبداعي وبالجمهور على حد سواء.
ومن بين المشاركات اللافتة، حضور الفنان التشكيلي المخضرم عبد السلام القباج، الذي شارك بثلاث لوحات تحيل كلها على تيمة الماء، في امتداد لمسار فني طويل جمع فيه بين آليات الخط العربي والتعبير التشكيلي المعاصر. ويعد القباج واحدا من الأسماء المؤسسة للتجربة التشكيلية المغربية الحديثة، بما راكمه من معارض وتجارب ورؤى جمالية.
وفي هذا السياق، تستحضر الذاكرة النقدية ما كتبه الناقد الفرنسي، ألان مارك في مقاله المعنون بـ «عبد السلام القباج في أعين الآخرين»، حيث توقف عند الأعمال الأولى للفنان، معتبرا إياها انعكاسا صادقا لذاكرة الطفولة وحنينا إلى الفضاء والزمن المفقودين. وأشار مارك إلى أن القباج يتحدث عبر لغته البصرية عن مدينة الجديدة، بألوانها وسمائها وبحرها وجدرانها القديمة، موظفا الأزرق والأخضر والأحمر والأصفر، إلى جانب الأبيض والأسود والبني الترابي، في بناء عالم تشكيلي نابض بالحياة والوجدان.
ويخلص الناقد الفرنسي إلى أن القباج فنان قادر على الإمساك باللحظات الهاربة، وتحويلها إلى قصيدة بصرية تسائل الذات والأحلام، مؤكدا أن تجربته، التي تجاوزت 70 معرضا بين معرض فردي وجماعي وإقامة فنية منذ أول معرض له بباريس سنة 1959، تظل شاهدة على مسار إبداعي ممتد لأكثر من خمسة عقود، طغى عليه اللون الأخضر بكل تدرجاته، بوصفه لون الحياة والذاكرة.
أما زائر معرض «نقطة تجمع» الجماعي الذي يستمر إلى غاية 5 يناير المقبل، فيجد نفسه أمام مشهد تشكيلي غني، يعكس تعددية التيارات والانتسابات المدرسية، وتنوع الخصوصيات الأسلوبية، في تعبير واضح عن حيوية التشكيل المغربي. تعددية تجعل من الواحد متعددا، ومن المتعدد واحدا، وتؤكد أن الإبداع لا يقاس بزمن كرونولوجي، بل بعمق الرؤى واتساع التخيلات وجرأة الأسئلة الجمالية.
وإلى جانب عبد السلام القباج، يشارك في هذا الموعد الفني كل من حسن زدني، عبد المالك باتومي، نجاة داود، مصطفى مفيد، عثمان بن الحبيب، رشيد زيزي، محمد بلحرش، خديجة صبري، توفيق مالك، مراد عزوز، وليد زداني، وفتيحة بن مزكي، حيث يقدم كل فنان بصمته الخاصة، ضمن فسيفساء بصرية تؤكد أن التشكيل المغربي ما يزال قادرا على التجدد، والانفتاح، وصياغة أسئلته الجمالية بجرأة وعمق.

نبذة عن الفنان التشكيلي عبد السلام القباج
وُلد الفنان التشكيلي عبد السلام القباج سنة 1934 بمدينة الجديدة، وتحديدًا بدرب مولاي أحمد الطاهري بحي ابن إدريس، حيث تشكّلت أولى ملامح وعيه الفني والإنساني في بيئة شعبية مشبعة بالقيم الروحية والثقافية.
يستعيد القباج بداياته قائلاً إن طفولته اقترنت بالتعلّم في “كتاب درب البركاوي”، الذي كان بمثابة مدرسة حرة صغيرة أسسها الفقيه والعلامة المرحوم إدريس بن المختار التاشفيني، وتولى تسييرها المرحوم محمد الدمناتي. هناك تلقّى مبادئ اللغة العربية من نحو وإنشاء وفقه وتاريخ إسلامي، إضافة إلى العروض والشعر، وفق المنهاج المعتمد آنذاك بجامعة القرويين بفاس. وعلى يدي هذا الفقيه حفظ القرآن الكريم، وتأثر كثيرًا بموهبته في الخط العربي، إذ كان ينسخ الآيات القرآنية بخط بديع على دفاتر كبيرة، مستخدمًا مدادًا ملوّنًا، ويعرضها على الجدران والرفوف الخشبية لتكون نماذج يقتدي بها التلاميذ الصغار في محاولاتهم الأولى للكتابة والرسم على ألواحهم الخشبية بأقلام القصب.
وفي البيت، واصل الطفل عبد السلام شغفه، فكان يتدرّب على إعادة رسم تلك النماذج، متتبعًا أشكال المصحف الشريف، ومستنسخًا أيضًا بعض الصور الفوتوغرافية. ولم يكن يتردد، حين تستبد به رغبة التقليد والاكتشاف، في رسم مشاهد مستوحاة من الصور المنشورة في الجرائد اليومية آنذاك، وعلى رأسها جريد،Le Petit Marocain التي كان والده المرحوم الجيلالي القباج يواظب على قراءتها بعد عودته من عمله كل مساء. وكان الوالد يملك وكالة لنقل المسافرين بحافلة تربط بين الدار البيضاء والجديدة، ما أتاح للأسرة انفتاحًا مبكرًا على العالم الخارجي.
كان عبد السلام يفضّل الذهاب إلى الكتاب أو البقاء في البيت لمراجعة دروسه أو الانغماس في الرسم، مجسدًا مشاهد طبيعية وانطباعات ترسخت في خيال طفل يكتشف العالم يومًا بعد يوم، ويدوّن ذلك في دفاتره ومذكراته. وغالبًا ما كان أخوه الأكبر محمد، رحمه الله، يصحبه إلى عالمه الواسع: عالم الشواطئ، حيث كان شغوفًا بصيد الأسماك، بينما ينشغل هو بمراقبة صيادي الطحالب البحرية، مستمتعًا برائحتها الزكية ونسيم البحر المنعش. وكان يحمل بعضها إلى والدته لتقوم بطهيها أو وضعها على رأسه علاجًا للصداع النصفي الذي كان يعاني منه، في طقس شعبي بسيط أثار فضوله وتساؤلاته المبكرة حول اختلاف طرق العلاج بين حكمة الأم الشعبية وتفضيل الأب عرضه على الطبيب الفرنسي “دولانوي”، وهو ما غذّى لديه نزعة التساؤل والتعبير الفني بالرسم.
وخلال الفترة الكولونيالية، كان القباج يشاهد بعض الفنانين الأجانب وهم يرسمون مناظر المدينة، فيقف مأخوذًا بطريقة عملهم، متأملًا حركاتهم وأدواتهم، ومعجبًا بقدرتهم على تحويل الواقع إلى صورة نابضة بالجمال.
وفي السنة الدراسية “1959-1960″، وبعد إنهائه للدراسة الابتدائية، عُيّن معلّمًا للغتين العربية والفرنسية. وأوفدته وزارة التربية والتعليم لتدريس أبناء العمال المغاربة المهاجرين بفرنسا، حيث اشتغل بـ”دار السلطان” في “جون فيليبي”، إحدى ضواحي باريس. غير أن ضعف الأجرة وعدم كفايتها لتغطية مصاريف الإقامة والأكل اضطره في نهاية المطاف إلى طلب العودة إلى أرض الوطن، حاملاً معه تجربة إنسانية وتعليمية ستُسهم لاحقًا في صقل مساره الفني والثقافي. وكانت ثمرة إقامته بالديار الفرنسية تنظيمه لأول معرض تشكيلي فتح به مشواره الصباغه بـ”دارالسلطان” وكان ذلك سنة 1959.
