“رمضانيات” نادي الكتاب لوماتان تحتفي بالمؤرخة والباحثة في تاريخ المغرب البحري ليلى مزيان

dc520896-fd36-41c4-8b6c-12d8988abf99

عندما يروي الأطلسي حكاية المغرب: أمسية بين التاريخ والذاكرة وآفاق البحر
ضمن برنامجه الثقافي الخاص بشهر رمضان الكريم، أطلق نادي الكتاب “لوماتان” رابع أمسياته الرمضانية بلقاء استثنائي اجتمع فيه قرّاء وشغوفون بالتاريخ وفضوليون لاكتشاف زوايا جديدة من ماضي المغرب حول كتاب مميّز يحمل عنوان «عندما يروي الأطلسي تاريخ المغرب» للمؤرخة ليلى مزيان. وقد أدار اللقاء الكاتب والفيلسوف إدريس جيدان، فكان الموعد لحظة تأمل عميقة في المكانة التي يحتلها المحيط الأطلسي في مسار تاريخ المملكة. وخلال النقاشات، لم يظهر الأطلسي مجرد فضاء جغرافي، بل بدا كأنه فاعل حي في ذاكرة المغرب ومساراته التاريخية.
في البداية قدم مدير “نادي الكتاب لوماتان” علي علوي صوصي، الضيفين، كما عبر عن امتنانه للحضور المتنوع، الذي تلهمه مثل هذه اللقاءات، مشيرا أن المنتدى الثقافي ألف هذا المكان العابق بالتاريخ والحضارة المغربيين، إذ ظلت رمضانيات “لوماتان”، تنظم في مقر جهة الدارالبيضاء- سطات، للعام الرابع، كما أكد علوي أن نادي الكتاب مبادرة ثقافية وفنية معا تضرب مواعيدها على امتداد السنة، ويختلف ضيوفها بين الكتاب والشعراء والسوسيولوجيين، والمبدعين بشكل عام، مشيرا إلى اننا سنعيش هذه الليلة مع تيمة البحر، انطلاقا من كتاب “عندما يروي الأطلسي حكاية المغرب” لمؤلفته المؤرخة والباحثة في تاريخ المغرب البحري، ليلى مزيان، التي سيحاورها الفيلسوف إدريس جيدان، بعدها تقدم المدير العام مدير النشر لمجموعة “لوماتان”، محمد الهيتمي، مرحبا بالحضور المتنوع، ولفت إلى حضور شخصيات مرموقة، أبت إلا تحضر لمثل هذه المنتديات، من قبيل إدريس اليازمي، فؤاد بن الصديق، إبراهيم السلاوي، رشيد بوفوس، وآخرين. كما نوه بالضيفين المؤرخة ليلى مزيان ومحاورها ادريس جيدان.


في أجواءٍ يسودها الحوار والانفتاح، أتاح اللقاء إعادة قراءة قرونٍ من التاريخ المغربي من زاوية قلّما حظيت بالاهتمام: زاوية الساحل الأطلسي ودينامياته البحرية. فالكتاب الذي ألّفته ليلى مزيان يقترح قراءة تاريخ المغرب من خلال موانئه وطرقه البحرية والتفاعلات التي نسجت صلاته بالعالم. وهو مشروع أطلقته جمعية «التاريخ الحي للمغرب» بدعم من مجموعة LabelVie، وبمشاركة في النشر بين مجلس الجالية المغربية بالخارج (CCME) ودار Maha Editions.

الأطلسي… ذاكرة لا تهدأ

منذ المداخلات الأولى، شددت ليلى مزيان على أن الأطلسي لا يمكن اختزاله في كونه حدوداً طبيعية فحسب. ففي رؤيتها، هو فضاء للحركة والتبادل واللقاء، حيث تشابكت علاقات اقتصادية وثقافية وإنسانية تركت بصمتها العميقة على تاريخ المغرب. فقد كانت الموانئ الأطلسية، من آسفي إلى الصويرة مروراً بالعرائش والدارالبيضاء، بواباتٍ مفتوحة على القارات الأخرى. عبرها مرّ التجار والرحالة والدبلوماسيون والعلماء، فسهموا في تشكيل فضاء أطلسي كان المغرب فيه نقطة استراتيجية نابضة بالحياة.
كما أشارت المؤرخة إلى أن هذه التبادلات لم تصنع طرقاً للتجارة فحسب، بل نسجت أيضاً ذاكرة جماعية مشتركة، قوامها حكايات الإبحار والتجارة ولقاءات الشعوب عبر البحر.

طريقة أخرى لقراءة التاريخ

أما إدريس جيدان، الذي أدار الحوار بحسٍّ فكري رفيع، فرأى أن قيمة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل زاوية النظر إلى التاريخ. فبدلاً من قراءة تاريخ المغرب من اليابسة وحدها، يدعو الكتاب إلى تأمله من جهة البحر، جاعلاً من الأطلسي خيطاً سردياً يقود الحكاية.
هذه الرؤية تتيح فهماً أعمق لبعض التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفها المغرب، خصوصاً في علاقته بالقوى البحرية الأوروبية التي تفاعلت مع مدنه الساحلية عبر مراحل مختلفة من التاريخ.
كما سلطت النقاشات الضوء على البعد الرمزي والثقافي للمحيط، ذلك الحضور الذي يسكن المخيال الجماعي ويعبر الحكايات التاريخية. وهكذا يظهر الأطلسي فضاءً تتقاطع فيه الذاكرة والهوية والانفتاح على العالم.
ولم يقتصر الحوار على الماضي فحسب، بل امتد إلى التفكير في موقع المغرب اليوم داخل الفضاء الأطلسي. ففي زمن تتسارع فيه العولمة وتتبدل طرق الملاحة والتجارة، تستعيد الواجهة الأطلسية للمملكة أهميتها الاستراتيجية من جديد. ورأى العديد من المشاركين أن كتاب ليلى مزيان يقدم مفتاحاً ثميناً لفهم الاستمرارية بين الأمس واليوم: فالمغرب، كما كان عبر تاريخه، لا يزال يُعرّف نفسه أيضاً من خلال حواره الدائم مع المحيط.
وفي ختام هذه الأمسية من «رمضانيات» نادي الكتاب لوماتان، تبلورت فكرة واضحة: إن تاريخ المغرب لا يُقرأ فقط في مدنه وسلالاته وأراضيه الداخلية، بل يُروى أيضاً على إيقاع الموج، على تلك السواحل الأطلسية حيث تلتقي منذ قرون ذاكرة الماضي بوعود المستقبل.