ومضة: تأملات وجودية في ديوان الأمواج الرمادية للشاعرة حنان الدومي

674103108_2855185171530171_2349953658212780226_n

قراءة نقدية في شعرية القلق وأسئلة الكينونة

الأستاذة والناقدة ميلودة الدومي غانم

حين يطالع القارئ عنوان ديوان «الأمواج الرمادية» للشاعرة حنان الدومي، يجد نفسه منذ العتبة الأولى أمام فضاء رمزي كثيف، تتداخل فيه الحركة بالسكون، والوضوح بالالتباس، والأمل بالخذلان. فالرمادي، بوصفه لونًا وسيطًا بين الأبيض والأسود، لا يحضر هنا باعتباره اختيارًا جماليًا عابرًا، بل باعتباره علامة دلالية تؤسس لرؤية شعرية تتغذى من مناطق التوتر والاحتمال.
ينفتح الديوان على تجربة إنسانية تتجاوز حدود البوح الذاتي إلى مساءلة الوجود في أكثر تجلياته هشاشة وقلقًا. فالقصائد لا تكتفي بتسجيل الانفعالات أو توثيق الحالات الشعورية، بل تسعى إلى إعادة تشكيل العالم عبر لغة موحية تتشابك فيها الصورة بالرمز، ويتجاور فيها الحسّي والتأملي في بناء شعري متماسك.
ومن هذا المنطلق، تكتسب قراءة «الأمواج الرمادية» أهميتها النقدية؛ إذ تتيح الوقوف عند مجموعة من المرتكزات الجمالية والفكرية التي تشكل بنيته العميقة، بدءًا من دلالات العنوان، مرورًا ببنية الصورة الشعرية والرمزية، وصولًا إلى تمثلات الذات والعالم، وما يختزنه النص من أسئلة وجودية وإنسانية تتجاوز حدود التجربة الفردية نحو أفق أكثر شمولًا واتساعًا.
أولا: دلالة العنوان وبناء الأفق الرمزي
يشكل عنوان الديوان إحدى أهم العتبات الدلالية التي تتيح الولوج إلى عالم القصائد. فالأمواج تحيل إلى الحركة المستمرة وعدم الاستقرار، بينما يحيل اللون الرمادي إلى المنطقة الفاصلة بين اليقين والشك، وبين الحضور والغياب. ومن خلال هذا التركيب الرمزي يتأسس العالم الشعري للديوان على حالة من التوتر الدائم، حيث لا وجود لحقيقة مطلقة أو لخلاص نهائي، بل تتجاور الاحتمالات وتتداخل الرؤى.
ولا يبدو اختيار البحر والموج اختيارًا اعتباطيًا، بل يتحول إلى استعارة كبرى للذات الإنسانية وهي تواجه تحولات الحياة وتقلبات المصير. فالموج لا يستقر، والذات كذلك؛ والبحر لا يمنح يقينًا نهائيًا، كما أن الوجود نفسه يظل مفتوحًا على الأسئلة والاحتمالات.
ثانيا: القلق الوجودي بوصفه مركز التجربة الشعرية
يُعدّ القلق الوجودي المحور الأكثر حضورًا في الديوان. فالذات الشاعرة لا تنظر إلى العالم من موقع الطمأنينة، بل من موقع التساؤل الدائم. إنها ذات تواجه هشاشتها، وتدرك محدوديتها، وتعيش حالة من التوتر بين الرغبة في الإمساك بالمعنى وإدراك استحالة امتلاكه بشكل كامل.
في هذا السياق، لا يصبح الشعر وسيلة للتعبير عن المشاعر فحسب، بل يتحول إلى أداة معرفية لاستكشاف الذات والعالم. فالنصوص تطرح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة، وتفتح مساحات للتأمل أكثر مما تسعى إلى إغلاقها بحقائق نهائية.
ومن هنا تتجلى شعرية الديوان في قدرته على تحويل التجربة الفردية إلى سؤال إنساني شامل؛ إذ يجد القارئ نفسه أمام مرآة تعكس هواجسه الخاصة بقدر ما تعكس هواجس الشاعرة.
وثالثا: شعرية الصورة والرمز
تعتمد حنان الدومي على بناء رمزي كثيف يجعل الصورة الشعرية أحد أهم عناصر تشكيل المعنى. فالصور لا تؤدي وظيفة زخرفية أو بلاغية تقليدية، بل تتحول إلى بنية فكرية تحمل رؤيتها للوجود.
يتكرر حضور البحر والموج والضباب والرماد والريح والطيور في عدد من النصوص، مكوِّنًا شبكة رمزية مترابطة. فالموج يحيل إلى التوتر والحركة، والرماد إلى ما تبقى بعد الاحتراق، والضباب إلى غموض الرؤية، أما الطيور فتتأرجح بين دلالة الحرية ودلالة الرحيل.
وهكذا تتجاوز الصورة حدود الوصف لتصبح أداة للتأويل، بما يجعل القصيدة فضاءً مفتوحًا على قراءات متعددة.
رابعًا: من القلق الفردي إلى القلق الجمعي
لا ينحصر البعد الوجودي في الديوان داخل حدود الذات الفردية، بل يمتد أحيانًا ليشمل الجماعة والواقع الإنساني. ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدة «كيان شعب ثائر» التي تمثل أحدىالقصائد الدالة على انتقال الرؤية من الأنا الفردية إلى الأنا الجماعية.
ففي هذه القصيدة ترسم الشاعرة صورة شعب يعيش حالة من الاستلاب والضياع، كما يتجلى في الأفعال المتتابعة:
»تَعترينا «
»تَشترينا«
»تَحتسينا«
وهي أفعال توحي بسيطرة قوى خارجية على مصير الجماعة، بحيث يصبح الإنسان موضوعًا للفعل لا فاعلًا فيه.
كما تستحضر القصيدة معجمًا دالًا على الفقد والمأساة من خلال مفردات مثل «الدّماء»، و«الثكالى»، و«الأرامل»، وهو معجم يتجاوز البعد الواقعي ليعبر عن انهيار المعنى واغتراب الإنسان داخل عالم مضطرب.
وتبلغ الرؤية الوجودية ذروتها في قولها:
»فنصير أسرابًا مجهولة…
لا ماضٍ، لا حاضر،
لا أزمنة »مقبولة«
ففي هذا المقطع تفقد الذات الجماعية ارتباطها بالتاريخ والهوية، وتصبح معلقة بين زمن مضى وآخر لم يولد بعد، وهو ما يعبّر عن حالة اغتراب وجودي عميقة تجعل الإنسان غريبًا حتى عن ذاته.
خامسًا: اللغة بين التكثيف والإيحاء
تتميّز لغة الديوان بقدرتها على الجمع بين البساطة الظاهرة والعمق الدلالي. فالشاعرة لا تعتمد الخطاب المباشر، بل تميل إلى الإيحاء والتكثيف، حيث تترك للمتلقي مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى.
كما يبرز حضور الجمل القصيرة في لحظات التوتر والانفعال، مقابل امتداد الجمل حين يتسع التأمل وتتعاظم الرؤية الفلسفية. ويؤدي هذا التنوع التركيبي إلى خلق إيقاع داخلي ينسجم مع طبيعة التجربة الشعرية القائمة على التردد والحركة المستمرة.
أما التكرار، فيؤدي وظيفة فنية تتجاوز الموسيقى اللفظية ليصبح عنصرًا بنائيًا يعكس استمرار القلق وتكرار المواجهة مع الأسئلة نفسها.
خاتمة
لا يقدم ديوان «الأمواج الرمادية» عالمًا مستقرًا أو رؤية مكتملة للوجود، بل يضع القارئ أمام تجربة شعرية تتأسس على القلق بوصفه شرطًا إنسانيًا أصيلًا. إنه ديوان يكتب الهشاشة دون استسلام، ويصوغ الانكسار دون أن يفقد الإيمان بإمكانية المقاومة.
ومن خلال شبكة رمزية غنية، ولغة موحية، وتأملات تتراوح بين الذاتي والجماعي، تنجح الشاعرة حنان الدومي في بناء عالم شعري يجعل من السؤال الوجودي محورًا لرؤيتها الإبداعية.
وهكذا تتحول «الأمواج الرمادية» إلى رحلة داخل أعماق الإنسان المعاصر، وهو يواجه هشاشة الكينونة، واضطراب العالم، وسعيه الدائم إلى القبض على معنى يتوارى كلما ظن أنه اقترب منه.