قرابين.. شعرية الانكسار الوجودي داخل سياق اجتماعي متصدّع

ذ: ياسين الخمليشي
في ديوان قرابين للكاتب والشاعر مصطفى ملح الصادر عن منشورات الأطلس، لا تنفصل التجربة الذاتية عن محيطها، بل تتشكل داخله وعبره، فالذات ليست معزولة، بل هي نتاج بنية اجتماعية متآكلة، وصدى لذاكرة جماعية مثقلة بالانكسارات.
نبدأ تحليلنا هذا لقرابين من بنية الديوان التي تتحرك من الذات المفردة ( ابن النخلة) إلى الذات الجماعية المنهارة ( نكبات عائلية، اغتيال القبيلة) وهذا التحول ليس اعتباطيا بل يعكس انتقال الوعي من الإحساس بالانتماء إلى إدراك فقدانه.
ويحضر العنف الرمزي عند بورديو وتمثلات الجسد في ( قميص منشور جنوب الدم) ليعكس بشكل واضح ممارسات المجتمع وتأثيره الكبير على مسارات الفرد، فالمجتمع لا يحمي الجسد بل يحوله إلى وثيقة ألم.
ويظهر مفهوم تفكك البنيات التقليدية عبر اغتيال القبيلة ( تقرير حول اغتيال القبيلة ) فنحن أمام تحول المجتمع من قيم التضامن إلى مظاهر التفكك.
كما ينكشف القلق الوجودي في الديوان ( بين الكاف والنون) وكأن الكاتب يؤسس لتضاد متوتر ومشحون بالعواطف المتناقضة، ويستدعي وعيا معلقا بين الإيمان واللايقين.
وتحضر الصحراء كاستعارة للفراغ الاجتماعي والوجودي، فالصحراء ليست مكانا جغرافيا بل فضاء للتيه وللفراغ وانعكاس لعالم بلا مراكز.
كما يبرز الكاتب مفارقة وفجوة عميقة، بين ما نعيشه وما نحلم به وهذا التوتر يتضح في البعد المكاني بين المحلي ( برشيد ) والتاريخي المفقود ( الأندلس)
ويصل الديوان بنا إلى ذروة المأزق الوجودي المعبر عنه بالذات المعلقة في ( رجل معلق فوق الهواء) مشيرا بذلك لقضية الاغتراب وانفصال الفرد عن جماعته وعيشه هشاشة وجودية، فهو بلا أرض وبلا جذور وبلا يقين…
وانطلاقا مما سبق نخلص إلى أن ديوان قرابين يشتغل على تفكيك الإنسان المعاصر بوصفه كائنًا فقد جذوره الاجتماعية، وتحوّل إلى ذات معلّقة بين ذاكرة منهارة وواقع بلا يقين، وهذا ما يحيلنا إلى خلاصة مكثفة ففي قرابين لا يُضحّى بالحيوان كما في الطقس القديم، بل يُضحّى بالإنسان نفسه،
بهويته، بعلاقاته، وبمعناه، في عالم لم يعد يمنحه أرضًا يقف عليها.
