خيول الجبل تمتطي صهوة الفن التشكيلي في الجديدة

a305a79c-f1f1-45c6-8bbf-7dcc0b26f1af

من خنيفرة إلى الجديدة.. صهيل الخيول يلهم ريشة الفنان ويستحضر ذاكرة الأجداد

ب.نفساوي

احتضن المركب الثقافي عبد الحق القادري بمدينة الجديدة، يوم الأربعاء 14 أكتوبر الجاري، افتتاح معرض للفنون التشكيلية بعنوان “وتستمر الحكاية..” بمشاركة نخبة من الفنانين، في مبادرة ثقافية جمعت بين الاحتفاء بالإبداع البصري واستحضار الموروث الثقافي المغربي، تخللته ندوة فكرية حول موضوع “خيول الجبل”، استحضرت رمزية الحصان ومكانته في الذاكرة الجماعية للمغاربة.
وينظم هذا المعرض، الذي تتواصل فعالياته إلى غاية 20 نونبر 2026، بمبادرة من شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب، بشراكة مع جمعية إيسان أكلموس، وأطلس إكستريم، ومؤسسة عبد الواحد القادري، في إطار جهود تروم تنشيط المشهد الثقافي المحلي وفتح فضاءات جديدة للتلاقي بين الفنانين والمثقفين والجمهور.
ويعرف المعرض مشاركة الفنانين أكورام أحمد العزيزي، وأحمد شيحة، وأسماء ابن طالب، وسعد ابن طالب، ومحسن العلوي، الذين يقدمون أعمالا تشكيلية متنوعة تعكس تعدد التجارب والرؤى الفنية، وتبرز غنى التعبير بالألوان والخطوط والأشكال، في تفاعل مع الأبعاد الجمالية والإنسانية التي يحملها الفن التشكيلي.
ولم يقتصر الموعد على الجانب التشكيلي، بل تخللته ندوة حول “خيول الجبل”، أطرها علي أمحزون، رئيس جمعية “إيسان”، فيما تولت لور شاتينيي مهمة التسيير. وقد أتاح هذا اللقاء مناسبة لاستحضار المكانة التي يحتلها الحصان في الثقافة المغربية، وما يرتبط به من دلالات تاريخية ورمزية، باعتباره مكونا أصيلا من مكونات الذاكرة الجماعية والتراث الوطني.


ويكتسب موضوع الندوة دلالته من تزامنه مع رحلة فرسان انطلقت من مدينة خنيفرة في اتجاه الجديدة، على صهوات الخيل، بمشاركة نخبة من الفرسان، في مبادرة للاحتفاء بسلالة الحصان العربي البربري وإبراز تراث الفروسية بالأطلس المتوسط. وتنظم هذه الرحلة جمعية “إيسان” تحت شعار “المغامرة مستمرة”، عبر مسافة تناهز 400 كيلومتر موزعة على سبع مراحل، في مسار يربط عاصمة زيان بمنطقة دكالة.
وأوضح رئيس الجمعية علي أمحزون، أن هذه المبادرة تستحضر تقاليد الأجداد الذين كانوا يقطعون المسافات الطويلة على ظهور الخيل، في قوافل تعكس متانة الروابط الاجتماعية وأهمية التنقل والتواصل بين المناطق. كما تبرز المكانة الخاصة للحصان العربي البربري في الذاكرة المحلية، باعتباره رمزا للقوة والشجاعة والنبل، وعنصرا وثيق الصلة بتاريخ المنطقة، ولاسيما محطات المقاومة ضد الاستعمار، وفي مقدمتها معركة الهري سنة 1914، بقيادة موحى أوحمو الزياني.
وتتجاوز أهداف هذه الرحلة بعدها الرياضي والتراثي لتشمل التحسيس بأهمية المحافظة على تربية الخيول، في ظل الصعوبات التي يواجهها المربون بسبب توالي سنوات الجفاف، فضلا عن تشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمناطق المعنية، من خلال تثمين المنتجات المجالية والتوعية بأهمية اعتماد زراعات علفية ملائمة للظروف المناخية.
وفي هذا السياق، أكد الفارس سعد ابن طالب أن الحصان ليس مجرد وسيلة للاستعراض أو ممارسة الفروسية، بل يشكل جزءا لا يتجزأ من هوية المجتمع المغربي وذاكرته الثقافية، بما يستدعي تضافر جهود مختلف الفاعلين لصون هذا الموروث المادي واللامادي وضمان انتقاله إلى الأجيال الصاعدة.
وأضاف ابن طالب أن الجمع بين معرض الفنون التشكيلية وندوة “خيول الجبل” ورحلة الفرسان نحو الجديدة يمنح لهذه المبادرات بعدا ثقافيا متكاملا، يلتقي فيه التعبير الفني باستحضار التراث، وتتحول فيه الذاكرة إلى موضوع للإبداع والحوار. كما يعكس هذا التقاطع أهمية الشراكات بين الجمعيات والمؤسسات الثقافية في إغناء الحياة الثقافية المحلية، وربط الفن بمحيطه التاريخي والاجتماعي.
وتأتي هذه الأنشطة بالتزامن مع احتضان الجديدة فعاليات الدورة السابعة عشرة لمعرض الفرس، بما يعزز حضور المدينة كفضاء وطني للاحتفاء بالفروسية والتراث المرتبط بها، ويتيح فرصة للتعريف بغنى تقاليد الأطلس المتوسط وإشعاعها الثقافي.
ويفتح المعرض نافذة على علاقة الفن بالذاكرة والهوية، ويعيد تسليط الضوء على الحصان باعتباره رمزا متجذرا في التاريخ المغربي، وجسرا يربط الماضي بالحاضر والأجيال الصاعدة.