التراث الثقافي لدكالة في حضرة الناشئة القروية
أنشطة تربوية بإيقاع الذاكرة في أولاد عيسى لربط الأجيال الصاعدة بتراثها المحلي
في مبادرة تنبض بعبق التراث وتلامس وجدان الطفولة القروية، احتضنت مؤخرا دار الطالبة بجماعة أولاد عيسى بإقليم الجديدة، مجموعة من الأنشطة التربوية والتراثية التحسيسية، من تنظيم وتأطير محافظة مدينتي الجديدة وأزمور بالمديرية الإقليمية للثقافة بالجديدة وسيدي بنور.
وتأتي هذه المبادرة من أجل الانفتاح على الوسط القروي، وربط الأجيال الصاعدة بتراثها المحلي، انطلاقا من قناعة بأن حماية الذاكرة الجماعية تبدأ من المدرسة والطفولة.

التراث الثقافي بدكالة.. حين تصغي الطفولة لنداء الحجارة
في صباح باكر بمنطقة دكالة، تفوح منه رائحة الطين ونبض الأرض، كانت دار الطالبة بأولاد عيسى تضج بالحياة، فتيات في عمر الحلم يجتمعن حول التراث، كما لو أن الذاكرة القديمة أرسلت إليهن إشاراتها الخفية لتوقظ فيهن حنينا لماض لم يعشنه، لكنه يسكن في تفاصيلهن الصغيرة.
لم يكن الأمر مجرد نشاط مدرسي عابر، بل رحلة في الزمن، قادتها محافظة مدينتي الجديدة وأزمور بالمديرية الإقليمية للثقافة بالجديدة وسيدي بنور، بشراكة مع إدارة دار الطالبة، رحلة تنبض بالرغبة في أن يلتقي التعليم بالحياة، وأن تصبح الحكاية جسرا بين جيلين: جيل يروي وجيل يصغي.
نسرين الصافي، محافظة مدينتي الجديدة وأزمور، في عرضها أمام تلميذات دار الطالبة، كشفت جانبا مهما من التراث الثقافي بدكالة، تحدثت فيه بنبرة تشبه الشعر عن الأرض التي تحفظ أسماءها في الزخارف والجداريات، وعن الأهازيج التي ما تزال تغنى في مواسم الحصاد، وعن الذاكرة التي لا تذوب مهما تغيرت الأزمنة، كما تناولت فيه الجذور التاريخية للمنطقة وما تزخر به من كنوز مادية ولا مادية.
وتنوعت فقرات البرنامج بين عروض تربوية وورشات تطبيقية سعت إلى تبسيط مفاهيم التراث للتلميذات، وتعريفهن بمكوناته وأنواعه وأهمية الحفاظ عليه، مع تقديم نماذج حية من المعالم الدكالية الأصيلة، وفي مقدمتها بنايات الحجر الجاف “التازوطا” التي تشكل بصمة معمارية فريدة للمجال القروي بإقليم الجديدة، ومنها دواوير جماعة أولاد عيسى.
واستعرض عزيز المرجاني، إطار بالمديرية الإقليمية للثقافة، من خلال “التراث المعماري القروي بدكالة: التازوطا نموذجا”، هندسة هذه المعالم وعبقريتها في التكيف مع الطبيعة والمجال.
وفي لحظة استثنائية جمعت بين المعرفة والإبداع اليدوي، أبدعت التلميذات في صناعة مجسمات مصغرة لبناية “التازوطا”، في ورشة تطبيقية أشرف عليها الحرفي خالد المنصوري، في تجربة أعادت وصل الحاضر بالماضي بلغة الطين والحجر.

مصالحة بين الحاضر والماضي
في عيون التلميذات كانت الحجارة تتكلم، وفي ابتسامتهن كان الوطن يعيد اكتشاف ملامحه القديمة، حيث كانت الرغبة كبيرة لاكتساب المعرفة، وكأنهن يبحثن عن أجوبة شافية عن جذورهن التاريخية، في واحدة من التظاهرات الثقافية التي كانت بمثابة مصالحة بين الحاضر والماضي، وجدت فيه التلميذات أنفسهن في قلب حكاية ممتدة عنوانها التراث الثقافي بدكالة، حيث كان الختم بتنظيم معرض تراثي مصغر من إنجاز نزيلات الدار بإشراف من المديرة الرحيمي الكبيرة، قدمن خلاله قطعا تراثية جلبنها من بيوتهن، فكانت كل قطعة تحمل معها قصة بيت، وذاكرة أم، وصدى زمن لم يغب بعد.
