الفنان الراحل عمر أفوس مكرَّماً بالدار البيضاء
سلطــــــان النُّــــور
أقيم بمدينة الدار البيضاء حدث فني بعنوان “نور العتمة” تكريما للفنان التشكيلي الراحل عمر أفوس (1949-2005)، وذلك خلال الفترة ما بين 26 أكتوبر و02 نونبر 2023، وذلك بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل- قطاع الثقافة، وبشراكة مع المجلس الجماعي لمدينة الدار البيضاء، وبتنسيق مع المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، نظمت جمعية “أوتولييه ٱثار ٱرت”.
في اليوم الأول، خميس 26 أكتوبر 2023، تمَّ تكريم الفنان التشكيلي عمر أفوس برحاب المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء بحضور أصدقائه وأفراد أسرته. المحتفى به مزداد عام 1949 بمنطقة أنزي التابعة لإقليم تيزنيت. ولج في الفترة الممتدة بين سنتي 1968 و1971 مدرسة الفنون التطبيقية، قبل حصوله عام 1971 على دبلوم تقني في الرسم الإعلاني. عقب ذلك بسنتين، امتهن أستاذاً لمادة التربية التشكيلية إلى غاية 1983 وهي السنة التي بدأ فيها التدريس بشعبة الفنون التشكيلية بثانوية الخنساء بالدار البيضاء. كما حصل على دبلوم تقني/ تخصص تصميم طباعي قبل ولوجه السلك التربوي الخاص عام 1983 بالرباط. في رصيده عديد من المعارض الفنية الفردية والجماعية والجوائز التقديرية..وظلَّ يمتهن التدريس بشعبة الفنون التشكيلية بالثانوية التأهيلية الخنساء بالدار البيضاء إلى أن فارق الحياة عن سن تناهز 56 حولاً، وذلك بمدينة الدار البيضاء يوم الأربعاء 27 يوليوز 2005.
نشط هذه الأمسية الناقد عبد الله الشيخ الذي أبرز دلالة هذا الحدث الفني ورمزيته الاعتبارية لأحد أبرز أعضاء جيل الثمانينيات في الفن التشكيلي المغربي، وقد استهلت بكلمة ترحيبية للمبدع سعيد كَيحيا مدير المدرسة العليا للفنون الجميلة، تلنها كلمة أخرى للفنان المصطفى غزلاني رئيس جمعية “أتولييه أثار آرت” استعرض خلالها الأهداف المتوخاة من هذا اللقاء، ليتناول الكلمة بعد ذلك كل من ذ. محمد الوادي عن الطاقم التربوي، الطالب الكَوة كريبان جونيور، ذ. خليل حسن المدير السابق لثانوية جابر بن حيان، دة. عائشة حناوي المديرة السابقة لثانوية الخنساء والفنانة سعاد حناوة تلميذة سابقة للمحتفى به.
بالمناسبة، تسلمت أسرة المحتفى به مجموعة من الهدايا من قبل المدرسة العليا للفنون الجميلة، جمعية “أتولييه أثار آرت”، جمعية أصدقاء متحف الطنطان تسلمها كل من ابن الفقيد حسن أفوس وأملته السيدة أم العيد، إلى جانب بورتريه المحتفى به بريشة الطالب محمد العامري.
بالمناسبة، تمَّ تسليم جوائز على الطلبة الثلاثة الفائزين في مسابقة أعمال الزرشة الفنية “التعبير بألوان عمر أفوس”، وهم: حسام قنزيتي البلغيثي، شعيب عطيف وإلياس أولقايد.
كما أقيم مساء نفس اليوم معرضان تشكيليان برواق فريد بلكاهية بالمدرسة، وقد تضمَّنا جناحا خاصا احتوى على بعض أعمال الفنان عمر أفوس، إلى جانب جناح ٱخر عرضت فيه أعمال فنانين تشكيليين أصدقاء الراحل وأساتذة شعبة الفنون التشكيلية بثانويتي الخنساء وجابر بن حيان في الدار البيضاء، وهم: حسن المقداد، محمد بوزيان، محمد موسيك، محمد حميدي، عزيز رخصي، سعيد حسبان، محمد شتير وبوشعيب جليب، فضلا عن جناح خاص بإبداعات الورشة الفنية: “التعبير بألوان أفوس” التي شارك فيها طلبة المدرسة، وأطرها الفنانان التشكيليان والأستاذان سعيد الجعايدي والمصطفى غزلاني.
بالمناسبة، صدر كاتالوغ من القطع المتوسط ضمَّ السيرة الفنية وصورة وأعمال الفنان المحتفى به وكذا صور وسير الفنانين المشاركين تصدرته كلمتي سعيد كَيحيا مدير المدرسة العليا للفنون الجميلة والمصطفى غزلاني رئيس جمعية “أتولييه أثار آرت”، وكذا كلمة الناقد عبد الله الشيخ عن الطاقم التربوي بالمدرسة، إلى جانب نصين تقديمين باللغة العربية للناقد ابراهيم الحَيْسن والفنان والباحث حسن المقداد، قام الناقد عبد الله الشيخ بترجمة النصوص الواردة في الكاتالوخ إلى اللغتين العربية والفرنسية. هنا مقتطفات من هذه النصوص:
سعيد كَيحيا: إحتفاء بذاكرة الفنان التشكيلي الراحل عمر أفوس
“تحت إشراف جماعة الدار البيضاء، يشرف إطارنا المؤسساتي احتضان هذه المبادرة التكريمية النموذجية التي تبنتها مشكورة جمعية آتولييه آثار آرث، وذلك لترجمة امتناننا وعرفاننا إزاء ما أسداه الفنان التشكيلي والمربي الرَّاحل عمر أفوس من خدمات جليلة للساحة الإبداعية على الصعيدين الجهوي والوطني، فهومن أعلام الجيل الفني الجديد في مجال الحداثة التشكيلية رفقة معاصريه أمثال حسن المقداد، محمد بوزيان، محمد موسيك، محمد حميدي، عزيز رخصي، سعيد حسبان، محمد شتير، بوشعيب جليب، محمد عنابي وآخرين الذين يتقاسمون معنا فضيلة الاعتراف وثقافة الإنصاف. كانت لي شخصيا محطة نموذجية مع المحتفى به داخل الوسط التربوي لمؤسسة آرت كوم، حيث انفرد برصانته وأريحيته وتواضعه، وكلها شيم ومناقب مثالية يتحلى بها المبدع النبيل والإنسان الأصيل.
بشهادة نقاد الفن ومؤرخيه، صاغ عمر أفوس أسلوبا تشكيليا يندرج ضمن تيار التعبيرية التجريدية بعيدا عن سجلات التشكيل الوثائقي والواقعية الفوتوغرافية”.

المصطفى غزلاني: الفنان من السخاء إلى الاعتراف
“كما دأبنا في جمعية أتولييه أثار أرت، نحتفل بالانصات لهمس المغاير، المخالف والهامشي. وإذ تتفضل إدارة المدرسة العليا للفنون الجميلة بقبول دعوة الجمعية لمشاطرة كِسرة المحبة والاعتراف، من خلال مشروعنا: احتفاء بذاكرة الفنان التشكيلي الراحل عمر أفوس، لا يمكن لأعضاء جمعية أتولييه آثار آرت إلا التقدم لها بالشكر الوافر على تجاوبها وانخراطها الإيجابيين في الرفع من قيمة الأخلاق الفنية والسمو بها.
إننا نعتبر في جمعيتنا أن لحظة تكريم فنان هي لحظة وقوف أمام المرآة، نرى أنفسنا إذ ننظر إليها ليصير الاحتفاءُ بالآخر احتفاءً بالذات أولا وأخيرا ولمَ لا ونحن إزاء حالة وجود الفنان. من هنا، جاء الاحتفاء بالراحل الفنان المغربي عمر أفوس”.
عبد الله الشيخ: البحث عن النور في العتمة
“تلقننا تجربة عمر أفوس درسا جماليا لا محيد عنه: القبض على نور العتمة. مفهوم العتمة لدى هذا الفنان الناسك ليس مرادفا للظلام والخوف والتيه الأعمى. العتمة تصبح في مسكنه الرمزي معادلا موضوعيا للنور والأمل والتفاؤل. أذكر وأنا منغمر تماما في أشكاله وألوانه الفياضة قول جلال الدين الرومي: ” أبق عينيك على النور لتعبر كل هذا الظلام”. لكن عمر أفوس يهمس إلى قلبي في صمت جواني: “أبق عينيك على العتمة لتعبر كل هذا النور”. إن النور المتدفق من عوالم لوحاته الإيحائية مثل “خيط أريان” في المتخيل الأسطوري الإغريقي يهدينا إلى إشراقات هذا العبور وتجلياته في بعدها الصوفي والوجودي معا. النور للعتمة. العتمة للنور. نبسط أجنحة فكرنا وخيالنا لنحلق بعيدا في سماء هذا الهباء الذي قد نسميه وجودا، وهذا الوجود الذي قد نسميه هباء. تبقى الرؤية الجمالية هي مرشدنا الروحي عبر هذا المدى البصري لعلنا نتصالح مع أرواحنا المنكسرة في زمننا الموحش الذي ضاقت فيه مغارات الجسد واتسعت فيه جراحاته”.
ابراهيم الحَيْسن: عمر أفوس، سلطان النور
لم يكن التشكيلي الرَّاحل عمر أفوس فنّاناً عاديّاً، قدر ما كان مبدعاً استثنائيّاً وشعلة وضّاءة داخل كوكبة من أصدقائه الفنانين الذين أسَّسوا جيل الثمانينيات بإبداع ونضج أفراده، وظلَّ طيلة حياته يشق طريقه ومساره الفني بأناة وصبر نادر وكان منجزه يقوم على التفكير والتخطيط والعمق الثقافي، إلى جانب المهارة والصنعة والاتقان، كما تنطق بذلك بصماته الجمالية ومذكراته ومدوَّناته المليئة بتأصيل فكري ونظري عميق يعكس جدِّية عمله..
قوَّة هذا المبدع الاستثنائي وتفرُّده يكمنان في بلاغة ألوانه وفي طريقة معالجاته اللونية لمواضيعه ومفاهيمه التشكيلية المستوحاة من التراث الفني الإسلامي والمؤطرة بمعرفة فنية وبتاريخ حافل بالإبداع..هنا سرُّ نبوغه..

حسن المقداد: تمجيد النور
أمام أعمال الفنان عمر أفوس، البحث عن تحديد موقع أمر غير مناسب، نزوع إضاءة حول شكل/موضوع، أو أيضا ترتيب فضاء طبيعي منسوخ -ملغوم- لكن، الأمر المناسب بالخصوص هو التأمل. التأمل من أجل اكتشاف هذه الصورة/الانعكاس تدريجيا والتي أثبتتها الذاكرة في حمل دائم: لاختراق فضاء معدني تكتوني رويدا أثارته انهيالات مساحات ذات درجات ضوئية ترابية. خامة أو مصقولة، المواد الملونة بالأمغر والسوداء تتقدم، تتراجع أو تصعد وتبدو أنها خارجة من الفوضى. نشوء عالم حيث الصمت هو الشيخ والشأن الروحي لا مناص منه…وحده شلال من النور هو القادر على تشعيع هذه الظلمات وكسر الصمت المطبق. نور “بري”، مرآة روح، مرآة جسد…ثابتة وغير تشخيصية.
بمناسبة هذا الاحتفاء، أقيمت ورشة التعبير الصباغي بعنوان “التعبير بألوان عمر أفوس”، وذلك يومي 20 و21 أكتوبر 2023 بحديقة المدرسة أطرها الفنانان التشكيليان والأستاذان سعيد الجعايدي والمصطفى غزلاني، وقد شارك فيها مجموعة من طلبة المدرسة، هم: صفية أكوزول، صلاح الدين مكودي، شعيب عطيف، أيمن بوعلي، إلياس أولقايد، مهدي عيدان، حمزة سماضيل، بدر الدين الشراط، خديجة إزلماض، أسية كندي، إيناس الشعيري، هبة سربان، عبد القادر غريسي، عبد الحميد حدو، حسام قنزيتي البلغيثي، سفيان سخسوخ، سعد ياقوت وحاتم لعشيري.
وكما في النص الوارد بمطوية الورشة، فقد تمحورت الأعمال التشكيلية التي أبدعها طلبة المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء خلال الورشة الفنية “التعبير بألوان الفنان عمر أفوس” التي أقيمت بحديقة المدرسة حول الخصائص الصباغية التي تميَّز بها المحتفى به المبدع الرَّاحل عمر أفوس، والتي تفرَّدت باستعماله ألواناً شذرية تفوح برائحة التراب، حيث الحمرة في مقابل تكوينات بنية وكحلية ترسم خرائط الأضداد، في مقابل بياض نقي يشعُّ صفاءً وطهارة ويتحوَّل إلى معادل جمالي، حيث يطفو النُّور ساميّاً ليضيء مناطق العتمة الموزَّعة في اللوحة.
ولا شك أن حصيلة هذه الورشة الفنية التعبيرية وعرض ثمارها ضمن معرض “نور العتمة” لتعدُّ فرصة سانحة أظهر من خلالها الطلبة المشاركون عن عمق انسجامهم واندماجهم مع جوانب من العوالم الصباغية التي ميَّزت الرَّاحل عمر أفوس فنَّاناً وإنساناً.
وبالبهو الخارجي لرواق المعرض التشكيلي بالمدرسة، تمَّ خلال اليوم الأول لهذا الحدث الفني البديع توقيع مونوغرافيا “عمر أفوس، سلطان النور” التي أنجزها الناقد ابراهيم الحَيْسن عام 2016 بدعم من وزارة الثقافة، والمخصصة لتجربة المبدع التشكيلي الراحل عمر افوس. المونوغرافيا من القطع المتوسط، تقع في 134 ص. وهي ترسم جانبا من المسار الجمالي لهذا المبدع الاستثنائي الذي يعد أحد أبرز فناني جيل الثمانينات بفضل شحذ خياله وقوة فنه المؤسس على صدق التعبير وعمق البحث التشكيلي.
تتصدَّر هذه المونوغرافيا العتبات الأولى لتشكل الفن في تجربة عمر أفوس، قبل ولوجه التكوين المدرسي والأكاديمي. وفيها أيضاً قراءة تحليلية لأهم الأساليب والصيغ الفنية التي مارسها وجرَّبها بدءاً بالرسم الواقعي والتشخيصية الهندسية، مروراً بالحروفية العربية التي أبدع فيها طويلاً، وانتهاءً بتجربة النُّور والألوان الترابية، فضلاً عن مساهمته الرائدة في مجال الغرافيك والنسخ الفني لاسيما تصميم الملصقات وأغلفة الكتب والمجلات.

كما تضمُّ المونوغرافيا شهادات لنخبة من أصدقاء الفنان عمر أفوس من مبدعين تشكيليين ونقاد الفن والأدب إلى جانب عديد من الصور التي تجسِّد محطات بهيَّة ومنتجة في مسار هذا المبدع الاستثنائي الذي رحل صامتاً..كما عاش صامتاً كذلك..
امتداداً لذلك، أقيمت صباح الجمعة 27 أكتوبر 2023 بقاعة العروض بالمدرسة مائدة مستديرة حول المنجز الصباغي للفنان عمر أفوس، نشطها الناقد ابراهيم الحَيْسن، استهلت بكلمة/شهادة لسعيد كَيحيا مدير المدرسة وبعرض شريط توثيقي حول الورشة الفنية أعده وأجرجه الإعلامي إبراهيم كرو. شهدت المائدة مشاركة النقاد والباحثين: عبد الله الشيخ، شفيق الزكاري، ادريس كثير، حسن لغدش الذين قدموا مقاربات متنوِّعة همَّت بالخصوص التجربة الحروفية عند الفنان المحتفى به وكذا التجربة الغرافيكية التي تميَّز بها، فضلاً عن مقاربات تأويلية لجوانب من أسلوبه الصباغي يعتمد أساساً على الاشتغال على جدلية الحضور/الغياب، الوضوح/الالتباس، الظاهر/الباطن، الوجود/العدم من خلال ثنائية الفاتح والغامق والتضاد بين النُّور والعتمة. ولظروف طارئة، تعذر مشاركة الباحثين محمد الشيكَر، بنيونس عميروش وحسن المقداد.
عقب ذلك، ألقيت كلمات وشهادات لمجموعة من أصدقائه الفنانين، وهم: محمد بوزيان، عبد الكريم الأزهر، البشير آمال ومحمد شتير، حيث أجمعوا على خصال ومناقب المحتفى به وما تميَّز به من دماثة الخلق والأخلاق، إذ كان يفيض بمشاعر إنسانية نبيلة، كريماً، مِعطاءً وخدوماً، كما تشهد له على ذلك سيرته المهنية والإبداعية الفريدة والمتميِّزة.

