إلهام العراقي العماري في “حوار مع الزمن” برواق مؤسسة محمد السادس بالرباط
أعمالها استكشاف لزمن مقلوب وقابل للقراءة ونابض بالحياة وإلى التفاعل مع المادة
يشهد رواق مؤسسة محمد السادس بالرباط في الفترة من 27 نونبر الجاري إلى غاية 15 دجنبر المقبل، عرض الأعمال الجديدة للفنانة التشكيلية المغربية، إلهام العراقي العماري، في معرض فردي تحاور من خلاله الزمن. واختارت عنوانا دالا لهذا الملتقى الجمالي “حوار مع الزمن”.
تواصل العراقي في هذا الحدث الجمالي بحثها حول الزمن من خلال الرسم والنحت والتركيبات الفنية واللغة الثنائية. فهي أعمال غير مسبوقة، تنسجم مع الأجواء الفريدة للمؤسسة، وتدعو الجمهور إلى استكشاف زمن مقلوب وقابل للقراءة ونابض بالحياة، وإلى التفاعل مع المادة نفسها المكوِّنة لأعمالها.
في بحثها المضني حول الوقت، أثمر مجموعة من الأعمال منها ما هو مجسد في اللوحات، وتحديدا على القماشات وغيرها من الأسانيد الأخرى كالمنحوتات والتركيبات والتنصيبات والأعمال التفاعلية التي تمنح الزوار حرية التفاعل، وكشف عالم من الخصوصية. أعمال تفاعلية لا تقتصر على التأمل فقط، بل تغري حاسة السمع أيضا.

وعن تجربتها الجديدة، خصها الناقد الجمالي، محمد مسعود، بمقال تحليلي ضاف، تحت عنوان “البعد الرابع في أعمال الفنانة إلهام العراقي العماري” نقتطف من شذراته ما يلي: “وظف الكثير من الفنانين الساعة في أعمالهم،، كالفنان الإسباني سلفادور دالي وإدوار مونش في أحد بورتريهاته، التي رسم فيها نفسه بين الساعة والسرير وألح على أن يدرج الساعة في عنوان اللوحة، وكذلك العمل المفاهيمي للفنان الأمريكي ذي الأصل الكوبي “فيليكس غونزاليس توريس” في رائعته “العشيقان المثاليان”، إضافة إلى الفن المعماري حيث نجد الكثير من الساعات تزين اكبر ساحات العالم وأيضا الأماكن المقدسة كساعة مكة والفاتيكان…”

وأضاف الناقد محمد مسعود أن الفنانة المغربية إلهام العراقي العماري توظف هذه الآلة في الكثير من أعمالها، أحيانا تكون في الزاوية العليا للوحة وبداية للمسح البصري أو في زوايا اللوحات وبذلك تكون نقطة انطلاق الغوص في عالم اللوحة، أو توقف ولو لبرهة من الزمن، لأن البداية مرتبطة بالزمن والنهاية لا توقف الزمن بل تحدد فقط توقيت التوقف، وما دامت اللوحة ممتدة في الزمان فلا يمكن لهذه الساعة أن تتوقف، لأن توقفها يدل على موت هذا العمل الفني المحصور في حيز مكاني محدد في أبعاده طولا وعرضا وأحيانا عمقا، إذا تعلق الأمر بتجهيزه في الفراغ. وأشار الناقد نفسه إلى أن إدراجها للزمن في أعمالها أصبحت أعمالها بأربعة أبعاد، فعقارب الساعة تتحرك في أغلب أعمالها وفي دوران موجب عكس المتعارف عليه. لأن كل الكائنات تدور في الاتجاه المتعارف عليه سواء في الفضاء أو الكائنات على الأرض كالدوران في حلبة السباق أو حول الكعبة وغير ذلك ماعدا الساعة التي تتحرك في اتجاه معاكس، ولكن الفنانة تعيد عقارب الساعة للدوران في الاتجاه الموجب والعودة إلى الوراء ولذلك تستحضر الساعة القديمة الرملية جنب الساعة الميكانيكية، كل ساعة تطرح سؤالا حول مفهوم الزمن ومن بينها ساعة على خلفية سوداء فوقها كتابات وعلامة استفهام تشكل مركز اللوحة وكأنها تعيد طرح سؤال القديس والفيلسوف أوغسطينوس “ما هو الزمن إذن؟ إذا لم يسألني أحد فأنا أعرف ما هو. إذا أردت أن أشرحه لمن يسأل، فلا أدري.”

في أعمالها المتعلقة بالزمن خاصة المجهزة في الفراغ تشرك المتلقي في صلب العملية الإبداعية ، فالوقوف طويلا أمام كل عمل مع تحريك دواليب الساعات هو إحساس بالدهشة أو بالمتعة في حيز زمني يختلف من شخص لآخر ويصبح هذا التجهيز في الفراغ أداء حيا يقوم به المتلقي بدل الفنانة .. كما أن الإدراك الأولي لهذا العمل الذي يكون في الأول لحظيا ومرئيا سينتقل إلى إدراكات أخرى مختلفة قد تحيله على الماضي وكل ما يرتبط به وعلى الحاضر بكل تطوراته .

ولتقوية عامل الزمن في أعمالها وظفت العداد القديم الذي كان يستعمل قبل ظهور الأعداد العشرية المعروف عند الصينيين «سوان بان» واليابانيين بـ«السوروبان» وكذلك العد الثنائي أو النظام الثنائي ( Binary Numeral System) الذي يختلف عن النظام العشري ما يكونان 0 و1. الذي يشتغل في كل الحواسيب الحديثة، خاصة في عملها الثلاثي الأبعاد حيث قامت بحفر قطعة من العديد من جميع الزوايا دون تكرار هذه الثنائية، وبذلك يجد المتلقي نفسه أما نسيج من الأرقام المشفرة كأمام نص مشفر يشبه “كريبتوس” أو أعمال الفنان البولندي “رومان أوبالكا “، الذي يوظف الأرقام فقط للاشتغال على الزمن ..

كما أن البعد الواحد الذي هو الحرف كان له نصيب مهم في أعمالها، فتارة يكون حرا طليقا وتارة يكون ضمن بناء هندسي صارم.. وتوظيفها للحرف كان لعكس مجموعة من الرسائل ولذلك لم يكن مجردا من عباراته الأدبية.. وتختم الفنانة أعمالها بفسيفساء من الأعمال الصغيرة تحمل عنوان “ما عنديش الوقت “، سيقرأها كل زوار المعرض بعد أن خصصوا الكثير أو القليل منه لزيارة هذا المعرض .. ولم يكونوا يملكون زمام الوقت بل كانوا في رحلة مع الزمن وتحت سلطة الوقت . وهل هذا الشخص الذي زار المعرض لم يكن له فعلا وقت وهو في وعائه وأسير لحيزه بأبعاده الفنية والفلسفية والبيولوجية ؟.
