“ياقوت بين الحياة والموت”… معاناة البادية تتحول إلى صرخة سينمائية من إبداع المصطفى بنوقاص بمسرح عفيفي
بعدما كان مقررا أن يلتقي الجمهور الجديدي بفيلم “ياقوت بين الحياة والموت” يوم 18 أبريل الماضي، اضطر المنتج والمخرج المصطفى بنوقاص إلى تأجيل العرض بسبب خضوعه لعملية جراحية على مستوى القلب، ليعود العمل اليوم إلى الواجهة من جديد، حاملا معه حكاية إنسانية عنوانها المعاناة والصبر، وتجربة سينمائية اختار صاحبها من خلالها الاقتراب من قضايا المجتمع والإنسان بلغة درامية مختلفة، تسعى إلى الغوص في أعماق الشخصيات والكشف عما تخفيه العلاقات الأسرية من صراعات ومآسٍ وتناقضات.
وتحتضن قاعة مسرح عفيفي بمدينة الجديدة العرض الأول للفيلم يوم السبت 26 شتنبر، ابتداء من الساعة السابعة والنصف مساء، في موعد ينتظر أن يجمع عشاق السينما والفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي والفني، خصوصا أن العمل ولد بمدينة الجديدة، وأن جزءا من حكايته وفضاءاته مرتبط بهذا المحيط الاجتماعي الذي يشكل خلفية أساسية لأحداث الفيلم.
ويسبق العرض حفل تكريم لعدد من الفنانين والوجوه الفنية التي شاركت في الفيلم أو ساهمت في إنجاحه، في التفاتة من فريق العمل للاعتراف بالمجهودات التي بذلتها مختلف الطاقات الفنية والتقنية التي وقفت وراء هذا الإنتاج السينمائي.
ويجمع “ياقوت بين الحياة والموت” نخبة من الفنانين المغاربة، من بينهم هند الباسط، ميلود الحبشي، محمد حراكة، سعاد الوزاني، زهور سليماني، محمد لقلع، عبد الرحيم الغزواني، أحمد لولاد، إلى جانب عزيزة مرودي ومجموعة من المواهب المحلية بمدينة الجديدة.
وقد شكل هذا التنوع بين أسماء فنية راكمت تجربة طويلة وطاقات شابة ومحلية، أحد عناصر قوة التجربة، خصوصا أن الفيلم منح هذه المواهب فرصة الاحتكاك المباشر بعمل سينمائي يجمع بين الخبرة والرغبة في البحث عن لغة فنية جديدة.
ومنذ انطلاق تصوير الفيلم بمدينة الجديدة، حظي العمل باهتمام إعلامي، باعتباره تجربة جديدة للمخرج المصطفى بنوقاص، الذي اختار موضوعا اجتماعيا حساسا يرتبط بالعلاقات داخل الأسرة، وما يمكن أن تخلفه الماديات والطمع في الإرث من صراعات قادرة على تمزيق روابط القرابة والمودة.
لكن “ياقوت” ليست مجرد حكاية عن الإرث أو صراع عائلي. فالشخصية الرئيسية تجد نفسها في مواجهة واقع أكثر قسوة، حيث تتقاطع المصلحة مع العاطفة، وتتحول العلاقات الإنسانية إلى ساحات للصراع، وتظهر خلف الوجوه الاجتماعية أسرار وخيبات ومواقف تكشف هشاشة بعض الروابط عندما تصبح المادة أقوى من المشاعر.
وتتحول “ياقوت”، داخل هذا البناء الدرامي، إلى نموذج إنساني مكثف للحسرة واليتم والشقاء والإهانة. وهي شخصية لا تقدم باعتبارها مجرد ضحية، بقدر ما تبدو مرآة لواقع اجتماعي تتداخل فيه سلطة العائلة والعادات والتقاليد والظروف الاقتصادية والنفسية.
وهنا تكمن خصوصية العمل، إذ لا يكتفي المخرج بتقديم الأحداث في شكل حكاية مباشرة، بل يحاول الاقتراب من التفاصيل الإنسانية والنفسية للشخصيات، ومن المساحات الخفية في العلاقات الأسرية، حيث يمكن للكلمة والموقف والسر القديم أن يتحول إلى شرارة تشعل صراعا كبيرا.
وقد سبق للمخرج المصطفى بنوقاص أن اشتغل في أعماله السينمائية على قضايا اجتماعية وإنسانية قريبة من الواقع المغربي، من بينها “كثرة الهم تضحك”، “الأشرار”، “الهم المشروك”، “واشنو ذنبي”، و”ريحانة”، قبل أن يواصل هذا المسار من خلال “ياقوت بين الحياة والموت”.
وفي هذا العمل، يبدو أن بنوقاص يسعى إلى تطوير تجربته الإخراجية، من خلال الابتعاد عن المعالجة الكلاسيكية المباشرة، والبحث عن رؤية بصرية ودرامية تجعل الصورة والحركة والفضاء والأداء عناصر أساسية في التعبير عن الحالات النفسية للشخصيات.
كما أن اختيار مدينة الجديدة فضاء للتصوير جعل منها ومن محيطها جزءا من البناء الدرامي، بما تمنحه من أمكنة وشخصيات وملامح اجتماعية قابلة للتوظيف في خدمة الحكاية. وقد أشارت التغطيات التي واكبت انطلاق التصوير إلى حضور فضاءات الجديدة في السرد السينمائي للعمل.
واللافت في “ياقوت بين الحياة والموت” أيضا هو الجمع بين الواقعية والغموض، وهي خلطة درامية تتيح للمشاهد متابعة الحكاية من جهة، والبحث عن الأسرار والخفايا التي تقف خلف مواقف الشخصيات من جهة أخرى. وهو ما يجعل الفيلم مفتوحا على أكثر من قراءة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الأسرية وما تخفيه من تناقضات وصراعات.
ومن المنتظر أن يكون العرض الأول بمسرح عفيفي مناسبة للحكم على هذه التجربة الجديدة من خلال الجمهور، قبل أن يواصل الفيلم رحلته خارج المدينة وخارج المغرب، حيث يرتقب أن يشارك في مهرجان البوسفور بإسطنبول، إلى جانب مهرجانات دولية أخرى، بما يفتح أمامه إمكانية الوصول إلى جمهور أوسع والتعريف بتجربة سينمائية مغربية تنطلق من قضايا المجتمع والإنسان.
وبين لحظة التصوير الأولى وموعد العرض على شاشة عفيفي، يكون “ياقوت بين الحياة والموت” قد قطع مرحلة مهمة من مساره، من فكرة صاغها المخرج إلى سيناريو، ثم إلى شخصيات وأداءات وفضاءات، وصولا إلى فيلم ينتظر أن يختبر نفسه أمام الجمهور.
فهل ستنجح ياقوت في الخروج من حدود حكايتها الخاصة لتصبح حكاية كل إنسان وجد نفسه يوما محاصرا بين قسوة الواقع وسلطة المجتمع؟ وهل سيتمكن الفيلم من تحويل الألم والمعاناة إلى قيمة فنية قادرة على الوصول إلى الجمهور المغربي والدولي؟
الجواب سيكون يوم السبت 26 شتنبر، ابتداء من الساعة السابعة والنصف مساء، بمسرح عفيفي بالجديدة، حيث يلتقي “ياقوت بين الحياة والموت” بجمهوره في أول عرض له، في ليلة تجمع السينما بالتكريم والاحتفاء بالفنانين وصناع هذا العمل.
