من التشكيل إلى الشاشة الكبرى.. إبراهيم الحيسن ينصت للصحراء في سيرته المرئية
علية الطوير تقدم العرض الأول لفيلمها «آثار مترحلة» بقاعة الفن السابع بالرباط
ضمن فعاليات النسخة الثلاثين للمهرجان الدولي لسينما المؤلف بالرباط، قدمت المخرجة المغربية علية الطوير بقاعة الفن السابع بالرباط فيلمها الوثائقي الطويل الأول «آثار مترحلة» بحضور طاقم الفيلم ونخبة من الفنانين التشكيليين والسينمائيين والنقاد.

يتتبع الشريط، الذي ينافس على جوائز المسابقة الرسمية الفيلم الوثائقي، آثار تجربة الفنان والباحث الجمالي إبراهيم الحيسن التشكيلية، وسبر أغوار لوحاته الصباغية التي تستلهم أسرار الصحراء، متضمنا شهادات الناقدين والباحثين الجماليين عبد الله الشيخ وبنيونس عميروش اللذين قدما مداخلات قيمة لإثراء الفيلم، إلى جانب ثلة من الفنانين والمثقفين.
وفي تقديمه للفيلم، أشاد الناقد الفني مبارك حسني بهذه التجربة الوثائقية، التي أضاءت جانبا من التجربة الإبداعية للفنان والباحث الجمالي إبراهيم الحيسن البصرية في علاقتها بمصادر الاستلهام التي استقى منها مواضيع لوحاته وأبحاثه الفنية، وعلى الخصوص التراث البصري الجمالي الصحراوي، الذي تم إبرازه بجمالية في الفيلم.

من جهتها قالت المخرجة علية الطوير إن «آثار مترحلة» تجربة سينمائية توثيقية ارتكزت في مجمل محطاتها على اقتفاء الأثر من خلال مقاربة لوحات صباغية ومجسمات فنية وتتبع مسارات تشكلها في تماهيها الرمزي والروحي مع فضاءات الصحراء الساحرة، مشيرة إلى أن الشريط جرى تصويره بفضاءات متنوعة انطلقت من بيت ومرسم الفنان، مرورا بمعرضه بحديقة «أولهاو» بمدينة أكادير الذي اشتمل على لوحات صباغية ومجسمات فنية، وصولا إلى مدينة العيون وفضائها الصحراوي الشاسع.
وفي كلمة بالمناسبة، توجه إبراهيم الحيسن، بالشكر إلى كل أعضاء فريق العمل الذين تعاضدت جهودهم من أجل إنجاح الشريط وإخراجه في حلة إبداعية جيدة نالت استحسان المشاهدين واللجنة المنظمة والمشرفة على مهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف.

وقال إبراهيم الحيسن إن إدراج العرض الأول للشريط ضمن فعاليات مهرجان سينمائي دولي بحجم مهرجان الرباط لسينما المؤلف، الذي بلغ دورته الـ30، لتثمين هذا العمل السينمائي، الذي يركز في مجمل مشاهده على البحث الصباغي الأخير في تجربتي الفنية والجمالية الراهنة التي تواصل استلهام الموروث البصري الصحراوي وإدماجه في بنية اللوحة الصباغية والمجسمات الفنية الصغيرة، لاسيما الأزياء التقليدية بما تنطوي عليه من عناصر الجمال في الشكل واللون والتصميم، إلى جانب المشغولات اليدوية بحمولاتها الثقافية ورموزها الإثنوغرافية.
وأوضح الحيسن أن هذه البيوغرافيا السينمائية التوثيقية «آثار مترحلة» راهنت في مجمل محطاتها على اقتفاء الأثر من خلال مقاربة لوحات صباغية ومجسمات فنية وتتبع مسارات تشكلها في تماهيها الرمزي والروحي مع مفازات وأمداء الصحراء..هذا الأثر الذي يظهر ويتبدى، يحضر ويغيب في اللوحات المصورة بمقدار اختفائه وانطفائه الموشى بترسبات وتطاريز لونية تمنح اللوحة أبعادا بصرية مرئية وغير مرئية في آن، معتبرا الشريط قيمة مضافة لمشهدنا المحلي والوطني، لأنه يعزز حصيلة التوثيق في مجال ثقافة وفنون الصحراء التي أمست تشهد مبادرات طيبة مماثلة لشباب مؤطرين محملين بالكثير من الحماس والحيوية الإبداعية.
بدوره أعرب الناقد الفني والباحث الجمالي، الدكتور عبد الله الشيخ، عن سعادته بالمشاركة بشهادات في هذا الشريط الوثائقي الذي يشكل في نظره «تجربة سينمائية وتوثيقية فريدة، لا لكونه مجرد عمل سمعي بصري يعرض معطيات بيوغرافية حول الفنان والباحث المقتدر إبراهيم الحيسن، بل لأنه مشروع فيلمي تمت بلورته بروح البحث العميق والمسؤولية الثقافية، واستطاع أن يجمع بين الدقة التوثيقية والحس الإبداعي الرفيع للمخرجة علية الطوير وفريقها المساعد. فإلى جانب الناقد الفني والمبدع بنيونس عميروش، بادرت إلى إثراء العمل برؤيتي النقدية التي ركزت على ٱثار الصحراء كمصدر إلهام لتجربة المحتفى به المشهود له بالترحال في جغرافيات الفكر والإبداع والمجال».
وأبرز الشيخ أن الشريط الوثائقي «قدم مقاربة مختلفة لمسار الفنان، حيث ابتعد عن الطابع الكلاسيكي الخطي الذي يكتفي بسرد الأحداث، واقترب من الرؤية التحليلية التي تربط بين الذاكرة والهوية، وبين التاريخ والممارسة الجمالية، مما جعله وثيقة مرجعية يمكن الرجوع إليها لتمثل السياقات الفنية والثقافية التي تؤطر منجز إبراهيم الحيسن الفياض والمتشعب».
ومن خلال الشهادات وبوح الفنان وعبر التنقلات السلسة من أجواء اللوحات والمنحوتات ومدارات الصحراء الخيميائية، تمكن العمل، يضيف الشيخ، من بناء خطاب بصري يحترم ذكاء المشاهد ويستجيب لانتظاراته، ويمنح للأصوات والإيقاعات مجالا للفسحة السردية والجمالية معا دون إخلال بالبنية الفنية للشريط.

إن القيمة الحقيقية لهذا الوثائقي، حسب عبد الله الشيخ، تكمن في قدرته على رصد منعطفات الفنان وانشغالاته المتعددة المسكونة بجماليات الصحراء وٱثارها، وإعادة الاعتبار للبحث الفني المكتوب والشفهي، إضافة إلى مساهمته في ترسيخ الوعي الوطني بأهمية التوثيق السمعي-البصري في حفظ الذاكرة الجماعية للفنانين المغاربة المهددة بالمحو والطمس.
واعتبر الشيخ هذا العمل الرصين دعوة مفتوحة لتوسيع دائرة الأفلام السينمائية حول مسارات المبدعين المغاربة، وذلك من أجل إغناء مرجعيات الساحة الفنية بسجلات توثيقية على غرار الأوساط الدولية الراسخة في هذا المجال التخصصي، كاشفا عن أن الباحث إبراهيم الحيسن سينشر قريبا كتابا نقديا تحت عنوان “التشكيلي والسينمائي: تواطؤات جمالية” من تقديم الشاعر والناقد السينمائي السوري محمد عبيدو يبرز فيه فيض الأفلام السينمائية حول الفنانين التشكيليين في الضفاف الأخرى برؤى إخراجية وسيناريستية متباينة ومتعددة.
