زهير بوختم يكتب “حكايات مختلفة”…
“حكايات مختلفة”
لا يمكن أن أغير الطريق، فأنا تعودت عليها، وحفظت مواصفاتها منذ أن اِلتحقت بمقر عملي، أعرف الطريق كما تعرفني، فشكلها الهندسي يكاد أن يصبح رسما فنيا رُسخ في ذهني، ففي الطريق يوجد بائع الورود “با أحمد”، وفي الطريق توجد أمي “زكية” بائعة الفطائر، وفي الطريق يوجد بائع الكتب “السي التهامي”، وفي الطريق توجد الخالة “رقية” بائعة الخبز، وفي الطريق يوجد عمي “صابر” الذي أبطلت حادثة سير حركته، وألزمته كرسيا متحركا، يجلس عليه وهو حامل لمذياغ صغير ينصت به للأخبار، ومقلتاه لطالما أغرقها النوم في بحر لا أمواج له.
لم أشعر ذات يوم بأن هذه الطريق ستصبح جزءا من حياتي، وأن أهلها هم أناس سأعيش معهم بضع لحظاتي.
كنت أشاهد أهل الطريق من بعيد، لكنني لم أتجرأ على الدردشة مع أحدهم ولو للحظة عابرة، أمشي كالغريب من جانبهم، وأعود للمنزل كالغريب، وأرى في عيني كل منهما حكاية، تروي سطورها وجوه شاحبة يائسة، أرهقها التعب، وأكلها الكبر، وأضعفها الدهر.
كلما مررت بمحاداتهم إلا وتبادر إلى ذهني سؤال محير، يخدش فضولي، ويحركه مرارا وتكرار، “هل لهؤلاء الأناس أولاد؟، هل لهؤلاء الأناس عائلة؟”.
أظن أن الغرابة حان الوقت لتُزالَ، وأظن أن القرابة حلت في مكان المحالِ.
فقد حقق فضولي غايته، ودفعني لإزالة الستار، وأنا ما أعلمه هو أن الذي يجمعني بأصحاب الحكاية إلا سلاما، لكنَّ الآن أنَّ الآوان.
أكملت عملي ذات عشية، وركبت رجليَّ قاصدا عمي “صابر”، ما إن وطأت قدمايَّ كرسيه حتى استقيظت عيناه من سباتها، فقلت: أهلا يا عمي صابر، فإذا بالرجل كان مرتاح البال، مبتهج الوجه، مرحبا بي كأنه يعرفني معرفة تعاقب الليل والنهار، قلت ألم تعجب من قربي لك؟
قال وهو يضحك أيعجب صابر مِنْ مَنْ تعود عليه؟
اجلس يا بني فالمكان مكانك، والزمان رجل لا يؤتمن، فلا تستغرب لحالي، وحالي من تمر عليهم (يقصد با أحمد/أمي زكية/السي التهامي/الخالة رقية)، فالكل منا حكاية.
قلت أود سمع حكاياتكم، ثم أخذته عند البقية وراح كل واحد منهما يحكي قصته، ومغامراته الحياتية.
العم صابر: كنت طبيبا جراحا، وزوجا لإمرأة، وأبا لثلاثة أبناء، كانت حياتي مع عائلتي الصغيرة كنعيم فوق الأرض، حياة هادئة مفعمة بالسعادة والسرور إلى أن وقعت الفاجعة، وأخذت مني الحادثة الغالي والنفيس، لأجد نفسي وحيدا منفردا، بل وضاعت أموالي على صحتي لكن لم أرجعها إلى شكلها، لتغلبني الدنيا، ويتغير مآلي، ولم يتبقَ لدي إلا مذياع يؤنس وحدتي.
با أحمد: كنت شابا شغوفا محبا للحياة، ومتفاءلا فيها، لا أضيع فرصة الاستمتاع بها، ولا أفكر في المستقبل أكثر من اللحظة التي أعيشها، أضاعني تفكيري فرصة الزواج، لأجد نفسي شيخا كبيرا فاته القطار، ولم يبقَ لي سوى نفسي ومحل لبيع الورود، فيه الصديق والحبيب، وذكريات شاب لم يفارقه التفاؤل حتى بعد عمر الزهور.
أمي زكية: أرادت التحدث، قاطعها السي التهامي، اُسكتي يا عزيزتي أنا من سيتحدث، هنا لاحظت الغيرة منبعثة من قلبه، وفهمت أن زكية زوجة التهامي، ما إن نطق لسانه حتى قرقرت عيناه دموعا سبقت فمه، وروت ما يختلج في عمق فؤاده من آلام وعبء خفيٍّ، ارتشعت معها أصابعه ممسكة في يد زوجته كأنها تقول ضاع مني من فديتهم بعمري، لكن ما ضاع مني من كان سببا في بقاء عمري، وأول شيء نطق به الحمد لله، نحن الاثنان راضيان عن وضعنا، لقد خاننا وخذلنا الاثنان، بنينٌ وصحة، ولم يبقَ لنا سوى الله عزوجل، وبعضنا البعض، نحارب الفقر في رضاء، ونبحث عن قوت يومنا بعناء.
لم يستطع السي التهامي تمالك نفسهم فازدادت دموعه وغمرت لحيته، وزوجته تصبره، وتمسك بيده كود من ملك القلب.
الخالة رقية: على غرار الجميع، ما إن نطقت حتى ألقحت قولها ضحكة شبابية، أظهرت فتاة صغيرة في سن العشرين، تلاشى جمالها من كثرة صدمات الحياة، كانت رقيقة القلب، وقوية اليقين في الله عزوجل، لا تُكسر، ولا تَنكسر، شامخة واثقة من نفسها، تتحدث في هدوء زاهدة عن الدنيا وما فيها، قالت يا بنيَّ أنا إمرأة لخمسة أولاد، كلهم من ذوي الهمم، توفى زوجي وتركهم لي، بعدها حملت في قلبي غصَّة، لكن رضيت بالقدر، وتحملت الألم، وجعلت من الطريق والشارع بابا يؤتيني ويؤتي بنيَّ طعاما، أعجن الخبز، وأبيعه لكي أعيش وأعيش أبنائي، فما قبلت لهم ولا لي يوما ذلا مثل من يقبلون به، فالحمد لله على حال تغير من حال إلى حال.
ما إن انتهوا حتى غربت الشمس، وعلى حكاياتهم تعرفت، ولحالهم تأثرت، ولرؤوسهم قبلت، ولصبرهم وتفائلهم وقوتهم ورضائهم بقدرهم وحمدهم لله حييت، وبعدها انصرفوا وانصرفت، وإلى منزلي عدت، وظلت طريقي هي طريقي، ففيها صارت لي حكايات، وفيها تحكى روايات.
