النسخة الثانية للنحت والخزف.. فضاء لحوار الأجيال وإحياء لذاكرة الرواد وانفتاح على الحساسيات الجديدة
نظمت جمعية محترف أثر آرت من 12 إلى 28 فبراير 2026 الدورة الثانية لمنتدى النحت والخزف بالفضاء التراثي (الكاتدرائية السابقة للقلب المقدس)، وكذا برواق فريد بلكاهية التابع للمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وبشراكة مع جماعة الدارالبيضاء، وبتنسيق مع شركة التنمية المحلية الدار البيضاء للتنشيط والتظاهرات (كازا إيفنت)، وكذا المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء (ESBAC).
وقد خصّ المنتدى تكريمًا وازنًا لفنانين تركت مساراتهم والتزامهم ومتطلباتهم التشكيلية أثرًا عميقًا في مجال النحت والخزف. وقد اجتمع هؤلاء المبدعون بصفتهم ضيوف شرف، مجسّدين مرجعيات فنية وإنسانية، ومساهمين في نقل إرث جمالي قائم على الاشتغال على المادة، والتفكير النقدي، وحرية الإبداع.
ووفاء لثقافة الاعتراف، خصت الدورة تكريمًا خاصًا لعبد الحق السجلماسي، أحد الأسماء البارزة في الساحة الفنية، والذي تشهد مسيرته النموذجية على وفاء دائم للمعنى، وللإيماءة الفنية، ولعمق العملية الإبداعية.
كما حيت الدورة عبد الكريم الوزاني، الذي ساهم عمله والتزامه بشكل حاسم في ترسيخ الاعتراف بالممارسات الفنية المعاصرة وهيكلتها.

ضيوف شرف احتفوا بمقارباتهم الفنية
يُطوّر علي الجابري مقاربة فنية يتفاعل فيها التجريب والتعبير مع وعي عميق بالمادة.
ويُدرج فتاح بن عامر عمله ضمن بحث تشكيلي تغذّيه التجربة والملاحظة والذاكرة.
ويتميّز الصحبي الشطي بمقاربة نحتية دقيقة، تولي اهتمامًا للشكل والجسد والتوتر الداخلي للمادة.
ويقدّم ميشيل غوتييه رؤية متفرّدة، صاغها الحوار بين الثقافات وخبرة طويلة في التعامل مع المواد.
وتقترح إيتشيكو إينوسي عملاً حسّاسًا ومجرّدًا، حيث يلتقي الاقتصاد الشكلي بكثافة تعبيرية عميقة.
ويتناول كمال كشّاو مفهومي البنية والتوازن، مانحًا الشكل بعدًا تأمليًا.
وتؤكّد إكرام قبّاج حضورًا فنيًا تتكامل فيه الحساسية مع الصرامة ضمن كتابة تشكيلية شخصية.
ويقدّم جيمس كوكو بي عملاً قويًا، موسومًا بالقوة الرمزية للإيماءة وبعلاقة عضوية مع المادة.
ويُدرج عبد الرحمن وردان ممارسته ضمن استمرارية واعية، تولي اهتمامًا لنقل المعرفة وذاكرة الحرفة.
ويطوّر عبد الرحمن رحول لغة تشكيلية تتّسم بالعمق والبساطة، حيث تصبح المادة فضاءً للتفكير.
ويقدّم موسى زكّاني عملاً تغذّيه التجربة والزمن الطويل، حيث تحتلّ الأثر والتحوّل مكانة مركزية.
ويستكشف محمد زوزاف الإمكانات التعبيرية للشكل بحرية منضبطة وبرؤية معاصرة.
ويختتم حمادي اليوحي هذه الكوكبة بمقاربة متجذّرة في أصالة الإيماءة والوفاء لروح الإبداع.

فضاء للحوار بين الأجيال والحساسيات الفنية
جمعت الدورة الثانية لمنتدى النحت والخزف نخبة مهمة من الفنانين الذين تعكس تنوع مساراتهم وجمالياتهم ومواقفهم الفنية حيوية وغنى الإبداع النحتي والخزفي المعاصر بالمغرب. ويُعدّ هذا اللقاء فضاءً مؤسِّسًا للحوار بين الأجيال والحساسيات والممارسات، حيث يتجلى العمل الفني باعتباره مجالاً للتفكير، وتجريب المادة، وبناء الذاكرة الفنية.
ومن بين الفنانين المشاركين: إبراهيم أشيبان، الذي يتساءل عمله عن الكثافة التعبيرية للشكل وقدرته على ترجمة الداخل الإنساني، وعبد الرحمن أملال، المعروف بمقاربة تُحمّل المادة نفسًا تجريبيًا مستمدًا من ملاحظة الواقع.
كما استقبل المنتدى سعيد أمور، الذي تندرج أبحاثه التشكيلية ضمن توتر بين الصرامة الشكلية وعفوية الإيماءة، إلى جانب عبد السلام أزدم، أحد الأسماء البارزة بنظرته النقدية للشكل والزمن. ويغني مصطفى بخشي هذه المشاركة بعمل يتمحور حول التوازن بين التقليد والمعاصرة.
وتتجلى تعددية الكتابات الفنية أيضًا من خلال رشيد بخوش، الذي تميل أعماله إلى التعبيرية المباشرة، وعبد العزيز باقي، الذي ترتكز ممارسته على تفكير عميق في البنية ورمزية الكتل. أما خالد بايي فيقدّم حساسية تجعل من المادة لغة قائمة بذاتها.

ويتواصل المسار مع جليل بن لعسال وسعد بوحمالة، وهما تجربتان مختلفتان لكنهما تلتقيان في استكشاف العلاقة بين الفضاء والجسد والأثر. ويجسد عبد القادر بوطافي وعبد العزيز بريز جيلًا واعيًا بأهمية نقل المعارف واستمرارية الممارسات النحتية.
كما تؤكد مشاركة مصطفى بومزّور وعبد السلام شعرة أهمية نظرة ناضجة صقلتها التجربة، في حين يطوّر شعيب شكيري كتابة تشكيلية منخرطة في تساؤلات راهنة.
ويستكمل مصطفى ضايف، وعبد الحي ديوري، ومحمد العادي، وعبد الكريم الأزهر، وحسام البلرهتي هذه اللائحة الأولى بمقاربات متفرّدة، تتأرجح بين الإرث الحرفي، والتجريب الشكلي، ومساءلة الحاضر. إلى جانب هؤلاء تنتصب أسماء أخرى في عالم النحت والصباغة.
وتغتني الساحة المعاصرة بمقاربات مميزة مثل أعمال محمد الهروشي ومصطفى غزلاني، التي تجمع بين الصرامة الشكلية والتعبيرية. وإلى جانبهما، يطوّر عبد القادر الغريسي كتابة تشكيلية متجذّرة في المادة الخام، بينما يستكشف محمد غزولة توترات التقليد والمعاصرة.
وتضفي مشاركة فلوريان غيبر انفتاحًا دوليًا على المنتدى، بما يعزز الحوار بين الثقافات حول الممارسات النحتية. كما يجسّد الحسين إيلان وليلى العراقي هذا التنوع من خلال أعمال تتناول الحميمي والجسد والذاكرة.

ويستمر المسار مع رشيد إرهلي، وعبد المالك لكبيار، ومحمد لكبيار، الذين يقترحون أبحاثًا تشكيلية مستمدة من ملاحظة الواقع وتحويل المادة. كما يشارك محمد العربي وفوزية الجعيدي في هذه الدينامية الجماعية، مؤكدين كتابات شخصية واضحة المعالم.
ويُكمل سعيد الجعيدي، ومحمد جرايدي، وعبد العزيز لورهراز، وعلي ميمون، ونجاة مفيد هذه الكوكبة الفنية، حيث يقدّم كل منهم رؤية خاصة للنحت والخزف كلغة معاصرة.
ويطوّر عبد الهادي موريد مقاربة تتفاعل فيها الصرامة الشكلية مع حساسية متجذرة في الذاكرة والتجربة. ويندرج مصطفى نافي ضمن ممارسة موسومة بالخبرة وحرية الإيماءة، جامعة بين التقليد والنظرة الشخصية. أما إحسان نتيج فيستكشف المادة كفضاء للتجريب، بين توتر تعبيري وبساطة تشكيلية.
ويتساءل عبد العزيز واحد عن العلاقات بين البنية والتوازن والرمزية، مانحًا أعماله بعدًا تأمليًا. ويُدرج محمد قلقازي عمله ضمن بحث دقيق في القوامات والإيقاعات الداخلية للشكل. ويتميّز عبد الباقي راجيلا بمسار يتسم بالعمق والوفاء لروح الحرفة. وتؤكد نزهة الرواني حضورًا خاصًا، حيث تتحول الحساسية والذاكرة والالتزام إلى عمل ذي حمولة إنسانية قوية. كما يطوّر البشير الصديقي لغة نحتية تصل بين الإرث الثقافي والسؤال المعاصر.
ويقدّم محمد السنوسي عملاً يتأمل الزمن والأثر والتحوّل، بينما يضيف جيلبير سينيه رؤية تغذيها التجربة والحوار بين الثقافات، حيث تصبح المادة حاملة للمعنى.
وتُدرج ياسمين سجلماسي ممارستها ضمن بحث دقيق يواكب الرهانات الجمالية والمفاهيمية للإبداع الراهن.
ويستكشف محمد طبال الإمكانات التعبيرية للشكل بين العفوية والبناء الواعي، فيما يقترح عادل الطاهري مقاربة معاصرة تلامس توترات الجسد والفضاء والمادة.
ويجسد المهدي بنسنا جيلًا منتبهًا للتجريب والتقاطعات بين التخصصات، مُدرجًا عمله ضمن دينامية راهنة بامتياز.
ويؤكد المنتدى مرة أخرى رسالته المؤسساتية: توفير فضاء للرؤية والحوار والاعتراف بالفنانين، مع الإسهام في تثمين النحت والخزف باعتبارهما مجالين أساسيين في الإبداع الفني المعاصر. كما تُظهر هذه التعددية في الأصوات والممارسات أن النحت والخزف يتجليان كأشكال حيّة، متجذّرة في الحاضر، ومتحاورة في الآن ذاته مع إرث المهارات والخيال الفني.

فضاء للإبداع والتفكير ونقل الخبرة
أكدت هذه الدورة طموحها في توحيد الفنانين والباحثين والبيداغوجيين والطلبة حول الممارسات النحتية والخزفية المعاصرة. واحتُضنت فعاليات المنتدى في فضاءات ذات حمولة رمزية وأكاديمية قوية، لاسيما الفضاء التراثي للكاتدرائية السابقة للقلب المقدس والمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدارالبيضاء، حيث قُدّم برنامج غني شمل معرضًا، وورشات، ولقاءات، وندوة متخصصة، وعرضًا لفيلم وثائقي.
وشهد حفل الافتتاح والافتتاح الرسمي للمعرض تكريم شخصيتين بارزتين في مجال النحت المغربي، هما عبد الحق السجلماسي وعبد الكريم الوزاني، اللذان أسهمت مسيرتهما بشكل عميق في تطور الفنون التشكيلية بالمغرب. وقد أبرزت هذه اللحظة الافتتاحية أهمية الذاكرة الفنية والاعتراف بالرواد في بناء مشهد فني معاصر نابض بالحياة.
وتجلّى البعد البيداغوجي للمنتدى من خلال عدة ورشات نُظّمت بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء. فقد أشرفت الفنانة اليابانية إيتشيكو إينوسي على ورشة في الخزف، بينما أطر الفنانون المغاربة محمد غزولة، مصطفى بخشي، ومحمد العادي ورشات في النحت. كما أغنت هذه المقاربة متعددة التخصصات ورشة في الكتابة حول النحت والخزف أطرها بنيونس عميروش.
وشكّلت الندوة المتخصصة المعنونة «النحت والخزف الفنيان: تجارب إبداعية وقيم جمالية» إحدى أبرز محطات المنتدى. وقد خُصصت الجلسة الأولى للتجارب الإبداعية، بمشاركة سعيد كيحيا، المهدي زواق، ميشيل غوتييه، علي الجابري، البشير عدنان معيتيق، إيتشيكو إينوسي، ومصطفى غزلاني. أما الجلسة الثانية، التي تمحورت حول القيم الجمالية، فقد عرفت مداخلات كل من حسن زوطاني، سلام جبار، محمد رشدي، مديحة النجار، عبد اللطيف العروي، علي الأصلي، وحسن لغدش. وتولى عبد الله الشيخ مهمة تسيير أشغال الندوة، فيما اضطلع مصطفى بزادي بمهمة مقرر باللغة العربية، وحميد دادس باللغة الفرنسية.
كما احتضن المنتدى لقاءً حول المسار الفني لعبد الحق السجلماسي وعبد الكريم الوزاني، أتاح نقاشًا حول تجربتيهما. وقد أدار هذا اللقاء إبراهيم الحيسن، بمشاركة إدريس كتير، السعيد كرماس، بوعبيد بوزيد، محمد السجلماسي، ويوسف سعدون. واستفاد البرنامج برمته من التنسيق والإدارة العامة لعبد الإلاه الربحي.
واختُتم المنتدى بعرض فيلم وثائقي مخصص للتجربة النحتية للفنان التونسي الحمادي العوشيشي، أعقبه تنظيم زيارات مؤطرة للمعرض رفقة خريجي المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء.
ومن خلال هذه البرمجة الغنية والمتعددة، أكد منتدى النحت والخزف في دورته الثانية مكانته كمنصة أساسية للحوار الفني، ونقل الخبرات، والتفكير النقدي، مُرسِّخًا حضور النحت والخزف في صلب الديناميات الثقافية المعاصرة.

إحياءً لذكرى الفنانين “الخالدين”
خصص المنتدى فضاءً للذاكرة والاعتراف بفنانين تركت أعمالهم والتزامهم ومساراتهم أثرًا عميقًا في تاريخ النحت والخزف. وقد اجتمع هؤلاء الفنانون تحت عنوان «ذاكرات»، ويُوصفون بـ”الخالدين”، إذ يظلون شخصيات مؤسسة يستمر إرثها في إضاءة الممارسات المعاصرة وإلهام الأجيال الحالية.
عبد الكريم أعلام (1963–2021) طوّر عملاً فنيًا حساسًا ومتطلبًا، يولي اهتمامًا للعلاقة الحميمية بين الإيماءة والمادة. وتعكس مقاربته سعيًا دائمًا نحو صدقٍ تشكيلي.
خالد أطلس (توفي سنة 2025) بصم الساحة الفنية بحضور فكري وإبداعي بارز، مسهمًا في توسيع الآفاق الجمالية.
محمد بوعدا (1952–2006) يخلّف عملاً مشبعًا بالبحث الشكلي والتعبيرية، منخرطًا في وعي عميق بالزمن والسياق.
بيير بواس (1944–2025) يجسّد مسارًا تميّز بالصرامة والتجريب والحوار بين الثقافات، حيث تتحول المادة إلى لغة حقيقية.
حسن السلاوي (1946–2024) تمكّن من ترسيخ عمله ضمن استمرارية واعية، جامعًا بين الإتقان التقني والعمق المفاهيمي.
محمد الوردي (1944–2011) طوّر عملاً متجذرًا في أصالة الإيماءة والوفاء لروح الحرفة.
روغيرو جيانجياكومي (1930–2006) قدّم إسهامًا كبيرًا من خلال نظرته المنفتحة وحواره الدائم مع الأشكال والثقافات.
الصديق صديقي (1935–1995) يظل شخصية رمزية، إذ يواصل عمله القوي والملتزم تغذية التفكير حول النحت بالمغرب.
محمد دريسي (1946–2003) ترك بصمة دائمة من خلال ممارسة تميّزت بالحساسية وإتقان المادة وكثافة التعبير.
ومن خلال هذا التكريم، يكشف المنتدى عن مسؤوليته المؤسساتية: صون ذاكرة المبدعين، والاعتراف بإسهامهم الحاسم، وترسيخ إرثهم في صلب الحاضر. ويشكّل هؤلاء الفنانون الخالدون أسس تاريخ حيّ، تقوم عليه الممارسة النحتية والخزفية المعاصرة.
