في رصيدها الأدبي أكثر من رواية آخرها "جنس وأكاذيب"

اختارت مؤسسة "جائزة البوكر الدولية"، امس الثلاثاء، الروائية الفرنسية من أصل مغربي، ليلى سليماني، لرئاسة لجنة تحكيم جائزة “بوكر” العام المقبل. وتعد سليماني، 40 عاما، من بين أبرز الكتاب المغاربيين الذين بصموا الساحة الأدبية الفرنكوفونية مؤخرا.

وسبق للروائية المغربية أن حازت على "جائزة غونكور" للأدب عام 2016، كما تعد من أبرز الشخصيات المؤثرة في فرنسا. وإلى جانب الكاتبة المغربية تضم اللجنة المترجم الأوكراني، المقيم في بريطانيا، ويليام بلاكر والروائي الماليزي تان توان إنج، والناقدة الأميركية في صحيفة "نيويوركر" بارول سيغال والمحرر الأدبي في صحيفة “فايننشال تايمز” فريدريك ستدمان.
وعلقت سليماني على اختيارها لترأس لجنة تحكيم الجائزة قائلة: "إنه لشرف كبير ومسؤولية أن أقدم هذه الجائزة المرموقة إلى روائي ومترجم أو مترجمة عمله إلى الإنجليزية".
وتقدم جائزة بوكر الدولية، منذ إطلاقها عام 2005، فرصة للقراء الناطقين بالإنجليزية للاطلاع على أفضل الأعمال الروائية العالمية المترجمة والمنشورة في المملكة المتحدة وإيرلندا، وتبلغ قيمة الجائزة 50 ألف جنيه إسترليني (نحو 60 ألفا و300 دولار) تمنح مناصفة للمؤلف والمترجم.
وسبق للمجلة الأمريكية "فانيتي فير" أن صنفت ليلى سليماني، المولودة بالرباط لأب مغربي وأم جزائرية فرنسية، كثاني أكثر شخصية فرنسية تأثيرا في العالم عام 2018.
وبخصوص إصدارها الأخير المعنون "جنس وأكاذيب" الصادر أخيرا عن دار "غاليمار" الفرنسية والمرشح لجائزة رونودو" المرموقة، تثير الروائية المغربية-الفرنسية ليلى سليماني من خلال شهادات، التناقض السائد بين واقع النساء المغربيات وما تسميه نفاق المجتمع المغربي الذي يبدي حساسية لكل ما يرتبط بالحرية الجنسية.
وهذا الإصدار حسب مجموعة من النقاد ليس دراسة سوسيولوجية ولا تحقيقا صحفيا، لكن ليلى سليماني أرادت "رصد وإيصال كلمات صريحة وعميقة ناجمة عن قصص أثارت لديها مزيجا من الغضب والإثارة والانفعال". هذه الكلمات تعود إلى مليكة ونور وفاتي وجميلة، وغيرهن من النساء اللاتي يرسمن صورة عن رياء اجتماعي واسع يعقد العلاقات بين الرجال والنساء، ويولد أشكالا مختلفة من العنف والمعاناة والإحباط.
هذه القصص الخاصة والحميمية غالبا ما تكشف عن مآسي النساء المغربيات، مثل “هذه المرأة الأنيقة التي تبدو في الثلاثين من العمر، وهي من أكادير، والتي تروي كيف تعرضت للتحرش من أحد أقاربها عندما كانت في سن الخامسة. وهي تعرب في الوقت ذاته عن رغبتها في التمتع بحريتها الجنسية.
وأسرّت هذه المرأة: "قررت يوما أن أكون رجلا، وقلت لنفسي: سأذهب إلى ملهى ليلي وأختار رجلا لإقامة علاقة جنسية معه، ففعلتها وكان ذلك رائعا". وأضافت: "كنت بحاجة لذلك".
ورصدت ليلى سليماني شهادة طبيبة عزباء في الأربعين من عمرها والتي تحدثت عن قيامها بعملية إجهاض، وهي ممنوعة في المغرب سوى في حالة اغتصاب أو تشوه أو زنا المحارم.
أيضا شهادة منى التي تروي مثليتها الجنسية التي يعاقب عليها القانون المغربي بالسجن من ستة أشهر لغاية ثلاث سنوات (المادة 489 من قانون الجنايات). وتقول منى: "أعرف نساء مثليات يعانين من وضعهن على الرغم من أنهن يتحملن انعكاسات خيارهن، وهن يعشن في الكذب.
واستشهدت الروائية بعدد كبير من الأدباء والأخصائيين في الطب النفسي والصحافيين الذين حققوا في الموضوع، وذلك لغرض واحد هو التنديد بتصرفات مجتمع لا يترك أمام المرأة سوى خيارين اثنين: إما أن تكون زوجة إما أن تبقى عذراء. ولا مجال لغير ذلك على الإطلاق.
وأمام العدد المرتفع لعمليات الإجهاض السرية التي تجري في المغرب (نحو 600 عملية يوميا)، ومن جهة أخرى ارتفاع الاعتداءات الجنسية، كالاغتصاب، لا يمكن صرف النظر عن البعد السياسي لكتاب ليلى سليماني، والذي صدر أيضا في المملكة المغربية. وهذا لسببين أساسيين.
السبب الأول هو أن الدولة هي التي تحدد وتضبط الحرية الجنسية، ما يجعل الروائية تقول: “لا يمكن لامرأة يخضع جسدها لمراقبة اجتماعية رهيبة أن تؤدي دورها كمواطنة.. إما الصمت وإما الكفارة، وكأن وجودها كعضو في المجتمع غير معترف به.
والسبب الثاني هو أن حق النساء في التمتع بجسدهن وحياتهن الجنسية مرتبط بقضية المساواة بين الرجل والمرأة. وتقول سليماني في هذا الشأن: "قضية الجنس سمحت في مختلف الحضارات على وجه الأرض للرجال فرض سيطرتهم على النساء، وبالتالي فإن الدفاع عن الحقوق الجنسية يعني الدفاع عن حقوق المرأة".
وترى ليلى سليماني، الحائزة جائزة "غونكور" الفرنسية المرموقة في 2016 عن روايتها “أغنية هادئة”، أن “النساء بحاجة إلى فرض وجودهن في مجتمع يطغى عليه التفكير الديني والنظام الأبوي”. ولكنها ترفض الخوض في أي جدل تافه بشأن الدين الإسلامي، فهي تؤكد: “كفانا ربطا بين الإسلام والقيم العالمية، بين الإسلام والمساواة بين الجنسين، بين الإسلام والجنس”. وتضيف: “يمكن النظر إلى الديانة الإسلامية على أساس ما أتاحت من تحرر (للمرأة) وأخلاق وانفتاح على الآخر.
كتاب "جنس وأكاذيب" هو في النهاية سلاح في خدمة المرأة المغربية. ولا تشك سليماني في أن المغربيات "مستقبل بلدهن. فهن يرغبن في العيش من خلال نهج لا يفرضه عليهن أحد، بل يقمن برسمه بأيديهن".