ضمن فعاليات النسخة 27 للمعرض الدولي للنشر والكتاب المقام هذا العام بالرباط، تمَّ توقيع كتابين للفنان والناقد التشكيلي إبراهيم الحَيْسن من تقديم الباحث الجمالي السوري د. طلال معلا، وذلك مساء يومه السبت 4 يونيو 2022 برواق دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع والترجمة (عمّان- الأردن)، بإشراف وحضور الشاعرة ذة. هناء البواب مديرة الدار، وبغلاف ورؤية جمالية رائعة للمدير والشاعر والمبدع التشكيلي ذ. محمد العامري

يرُوم الكتاب الأول بـ"التشكيل والمدينة- صداقة الرسام والمعماري" (2021) مقاربة الإستتيقا المتبادلة بين الرسام والمعماري ويبحث في علاقة التشكيل بالمعمار وفق رؤية جمالية مؤسَّسة على حاجة المكان إلى الإبداع، مع مراعاة مختلف الامتدادات المؤسِّسة لهذه العلاقة وشروط إنجاحها أو إخفاقها، وهو يتضمَّن محتويات متنوِّعة تستمد سماتها وخصائصها الفنية من "الجماليات البيئية" كمبحث قائم الذات، وذلك من خلال تناول مجموعة من المواضيع التي جسَّدت الصلات الأساسية للعلاقة المذكورة بدءً بمدرسة الباوهاوسBauhaus التي برزت على خلفية خلق التلاؤم الجمالي المفترض بين المعمار والفن التشكيلي، مع التطرُّق لموضوع الصباغة الجدرانية بالاستشهاد بتجربتين عربيتين رائدتين في هذا المجال، يتعلق الأمر بمدينة أصيلة المغربية التي أضحت محجّاً للرسامين والأدباء من مختلف بقاع العالم منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي ومدينة ولاتة الموريتانية التي تتميَّز ببيوتها العتيقة وبمعمارها الترابي الرائع والمطروز بزخارف بديعة بأنامل نسائية، مع الحديث عن العاصمة الفرنسية باريس كمركز عالمي للفن والجمال وعن طنجة مدينة الفن في المغرب.
إلى جانب تناول البنيان والمعمار التقليدي الإفريقي الجميل المتجسِّد في القرى الطينية ببوركينا فاصو، وكذا المباني التقليدية بمالي، خصوصاً بمنطقة أزواد التي يقطنها الطوارق على نحو واسع، والحديث عن البُعد التشكيلي في العمارة ووظيفة النحت وإدماجه في الفضاء البيئي (تجربة المحرس التونسية كمثال)، وكذا الحديث عن المؤسسات المتحفية وصالات العرض التشكيلي والعرض بالهواء الطلق، مع التطرُّق للتراث المعماري والتشكل الهندسي الكولونياليفي بعض المدن التي نسجت علاقات ممتدة مع الفن والجمال، منها مثلاً مدينة الدار البيضاء، مع الحديث بشكل مقتضب عن الصويرة "موغادور" مدينة الرياح باعتبارها محضناً لا ينضب من الإبداعات والتجليَّات الجمالية التي حوَّلتها إلى فضاء أطلسي تاريخي وملتقى للتعدُّد الثقافي في المغرب المعاصر، إلى جانب كونها تشكل فضاءً سانحاً لإبداع فني أصيل تمتزج فيه التعبيرات الفطرية بأبعادها الأنثروبولوجيةوالإثنوغرافية المتنوِّعة (الملامح الأمازيغية واليهودية والعربية والإفريقية..)، كما تجسِّد ذلك العديد من الصنائع والمشغولات اليدوية المحليَّة البهيَّة.
فضلاً عن ذلك، يتطرَّق الكتاب لمجموعة من التيارات الفنية الحديثة والمعاصرة ذات الصلة بالبيئة والفضاءات العامة والمفتوحة، كفن الأرض وتجربة الباوهاوس وكذا الإرساءات الفنية (الأنستليشن) بوصفه فن التجهيز في الفراغ بامتياز..ثمَّ الحديث عن فنون النحت والعمارة والديزاين والنصب التذكارية وتنسيق الحدائق إلى غير ذلك من الفنون المكانية التي تحكمها معايير جمالية وتعبيرية وتاريخية أيضاً..


بينما يفتح الكتاب الثاني "الفن التشكيلي المعاصر- صدمة الرَّاهن" (2022) أسئلة متنوِّعة حول الفنون البصرية ويثير الحاجة إلى الفن اليوم، يتفرَّع الكتاب إلى أربعة أقسام يتناول الأول منها مفهومي الحداثة والمعاصرة وتقاطعهما فلسفيّاً وجماليّاً مع مفاهيم مماثلة في الفنون التشكيلية بالاستناد إلى كتابات وأبحاث مرجعية تخصُّصية اعتبرت أن المرور من الحداثة إلى المعاصرة في الفن تطلب مراحل عديدة أفرزتها تحوُّلات كثيرة غير معهودة في أوروبا وأمريكا على الخصوص شملت الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية جعلت الفن يتجاوز التعبيرات المتوارثة عن العصور الكلاسيكية، إلى جانب تناول مجال النقد الفني في ظلِّ التشكيل الرَّاهن وكذا التغييرات التي همَّت معجم الفنون زمن التكنولوجيات الجديدة، بينما تركز القسم الثاني على فن الإرساءات والتجهيز في الفراغ والظروف التي قعَّدت لظهوره منذ أواخر ستينيات القرن الماضي بفضل مجموعة من الفنانين المؤسِّسين الذين ارتبطت إبداعاتهم بأسئلة وقضايا إنسانية ومجتمعية وسياسية كثيرة استعانوا في إثارتها بوسائط تعبيرية جديدة سمحت لهم بالانفتاح على الشارع وعلى الفضاءات العمومية كردِّ فعل ضِدَّ تمركز الفن في المتاحف وصالات العرض الخاصة، مع الوقوف على أبرز التيارات الفنية الجديدة التي تقاطعت مع فن الإرساءات، كالمفاهيمية والفن الإيجازي والواقعية الجديدة وفن الأرض والتجسيم والتصوير المعاصر..إلخ.
وتمحور القسم الثالث من الكتاب حول موضوع الجسد وحضوره في الممارسة الفنية الحديثة والمعاصرة، والذي تنوَّعت أشكاله من فنان إلى آخر، ومن تجربة فنية إلى أخرى، حيث شكل حقلاً تجريبيّاً بامتياز انبثقت عنه مواقف ونقاشات واسعة، لاسيما بعد ظهور تجارب فنية متباينة عبَّرت عن الألم والصدمة والدَّهشة، كما هو الأمر في فن الأداء "برفورمانس" والنحت الحي والفيديو الإنشائي. يلي ذلك قسم رابع حول التشكيل وسطوة الميديا، وقد تضمَّن إبداعات فنية كرَّست "نبوءة" الفيلسوف الألماني والتر بنيامين W. Benjamin بأثر التكنولوجيا على الفن ودور وسائط الاتصال الجديدة في تغيير الطابع التفرُّدي للفن، والذي كان على حدس كبير لمعرفة درجة تأثير الحوامل التكنولوجية الحديثة على رؤية الفنان وتفكيره تجاه الفن ودفعه إلى إعادة النظر في أشكاله ونماذجه الفنية. من هذه التجارب ما يندرج ضمن الفيديو الإنشائي والفن التفاعلي والديجيتال آرت والفن السيبيري والفن البصري "الأوب آرت" والفوتوغرافياالمفاهيمية..مع التطرُّق لمدرسة "باوهاوس" في علاقتها بالمعمار والسينوغرافيا، فضلاً عن فنون الشارع "ستريت آرت" وجمالية المكان..
وقد خلص الكتاب إلى خاتمة مقتضبة تضمَّنت تساؤلات حول مآل الفنون المعاصرة في ظلِّ وجود مشكلات راهنية عديدة، أبرزها ما يتعلق بالتقييم الجمالي لهذه الفنون ومعايير تصنيفها، إلى جانب ظهور خطاب نقدي جديد أدخل نقاد ومنظِّري الفن في "حيرة إبداعية" بسبب أزمة التلقي الجمالي من جهة، وبروز مؤسَّسات وسيطة أضحت تتحكم في وتيرة الفن واتجاهاته من جهة ثانية، مثلما تعزَّز الكتاب بملحق مصوَّر ضمَّ مختارات من أعمال تشكيلية متنوِّعة في الفن الحديث والمعاصر لمبدعين عرب وأجانب، آملين أن يجد القارئ في هذا الاصدار مادة معرفية كفيلة بتقريبه من العوالم والمناخات الإبداعية التي قعَّدت لظهور الفن المعاصر وانتشاره مع ما ميَّز ذلك من بصمات وإنتاجات متنوِّعة ليس من السهل عزلها عن السياقات التاريخية والجمالية التي ظهرت في ظلها وضوئها..