افتتح برواق "فن الملهمة" بالدار البيضاء، يوم السبت 4 دجنبر 2021، معرض ثنائي لكل من الفنانين التشكيليين، عبد السلام القباج، وكريم ثابت. واختار التشكيليان عنوانا دالا لمعرضهما، الذي يستمر إلى غاية 31 دجنبر الجاري، "همسة الروح".
ويندرج المعرض ضمن الحركية الثقافية والفنية التي بدأت تنتعش وتنفلت من عقال أزمة كوفيد 19. ويعبر الفنانان من خلال هذا الحدث الفني عن مشاعرهما وعواطفهما حول الوضع الحالي، الذي وصل إليه الفنان بصفة خاصة أثناء الجائحة التي قلبت كل الموازين.

وتشير ورقة تقديمية للمعرض إلى أن الفنانين القباج وثابت يستلهمان تجربتيهما من المدرسة الرمزية والتعبيرية، ويكثفان الألوان الزاهية والترميز بواسطة الأشكال والخطوط القوية والعفوية تبعا لمنهجية الفن الحديث والمعاصر، ويكمن الخط الرابط بينهما في الاجتهاد في خوض معركة الحياة الاجتماعية بخيرها وشرها، رغم المعاناة التي تحملها كل منهما بصبر وثبات. من جهة أخرى يلتقي الفنانان في الامتهان ضمن أشرف وأسمى ميدان وهو ميدان التلقين والتعليم.
وقال التشكيلي القباح، وصاحب رواق "فن الملهمة" إنه فضل أن تكون أعماله المعروضة مختلفة. وأضاف في لقاء أعلامي أنه اختار مجموعة من اللوحات المختلفة الأشكال، من الحجم الصغير ذات المنزع البين تشخيصي والبين التجريدي، والأحجام الكبيرة التي خلصت لأجواء كورونا. وأفاد القباج ان أعمالا جديدة هي ثمرة الحجر الصحي، وناهزت 30 لوحة تشكيلية مجملها يعبر عن مأساة الطبيعة وعن المرحلة التي يمر بها العالم من ضيق الأفق ومخلفات الجائحة، مشيرا إلى أن أعماله تتميز بأسلوب ذاتي يستقي من الانطباعية التي يدرجها ضمن الحداثة التي تحتفي بالرموز والحروفية معا.
من جهة أخرى أفاد القباج، الذي تلقبه الصحافة بـ" الهيروغليفي المثقل بأسرار الحياة"، إنه يشتغل على تيمة المشاهد الطبيعية في تجلياتها الخامة، إذ يمتح من عناصرها مثل أغصان الشجر وجذورها التي توحي له بالخط العربي ويدمجه ضمن تمثلات فنية بأسلوب حداثي لا واقعي معتمد على الخيال.
على المستوى النقدي سلط الناقد الفرنسي، ألان مارك، الضوء على أعمال الفنان التشكيلي المخضرم، عبد السلام القباج، في مقال يحمل عنوان" عبد السلام القباج في أعين الآخرين"، وكتب مارك أن "الأعمال الأولى للفنان التشكيلي القباج تعكس ذكرياته الطفولية، وجاءت محترمة للفضاء والوقت، وهي انعكاس حقيقي لطفولته بمدينته الأصلية، حيث يتحدث القباج عبر لغته البصرية عن الفضاء المفقود، ويمنحنا عبر قماشاته مفاتيح البحث عن هذه الأحلام الصغيرة والكبيرة التي توارت مع الزمن". ويضيف الناقد الجمالي الفرنسي مارك، أن البحث عن هذا الزمن المفقود متوار خلف الأشكال والألوان وفي ذاكرة أطفال الجديدة، حيث تفوق القباج في انتاجها بصريا قابضا على أجمل لحظات الحياة. ويضيف أن القباج يبرز ألوانا قريبة إلى وجدانه منها الأزرق الذي هو لون سماء الجديدة، والأخضر الذي يحيل على قاع بحرها، إلى جانب الأحمر الممزوج بالأصفر وهو لون جدران المدينة القديمة، والأبيض والأسود لونا الخيالات. وخلص الناقد الفرنسي إلى أن القباج فنان يقبض على اللحظات الهاربة بكل أحاسيسه ورؤاه الجمالية وألوانه التي تحيا في القماشة وتسكنها.
في حين يعد كريم ثابت أحد الوجوه الفنية في المغرب كثيرة الحضور والمشاركات في المعارض الفنية داخل المغرب وخارجه. وحصل ثابت على الجائزة الأولى، من خلال مسابقة دولية نظمتها مؤسسة "المجموعة العربية" بلندن.
وحول منجزه الصباغي قالت الباحثة الجمالية والتشكيلية التونسية، دلال صماري، يعيد الفنان كريم ثابت في أعماله إعادة بناء الوعي البصري بصورة منافية لأسلوب التنميط والاستلاب الاجتماعي المفروضة من الواقع القائم، وبهذا يكون الأثر الفني لديه وعدا بالتحرر وهو وعد منتزع من الواقع بالقوة، حيث يتمظهر في الاحتجاج السلمي الذي يوحي به الشكل الجمالي الذي انتهجه الفنان. بأن أظهر عكس ما يعانيه الفرد في حياته اليومية وخلق حالة من البهجة لتحدي هذا الموجود كحركة تمرد تخوضها الذات في نضالها من أجل التحرر من سواد الواقع وإعطاء الشكل الجمالي بعدا متحديا ومنافيا له. وترتبط الممارسة الفنية لدى الفنان كريم ثابت بالعديد من الاعتبارات منها ماهو ذاتي ومنها ماهو موضوعي ولكن رغم ذلك يحافظ الأثر الفني على طابعه الكوني الذي يولد لدى المتلقي متعة وإحساسا بالجمال، وتتمثل ميزته فيما يحققه من إحساس بلذة دائمة منزهة عن المنفعة ناتجة عن التمييز بين مدركات الأثر الفني وتحليل مكوناته وهذا ما ينجر عنه اندماج المتذوق واستغراقه في ضرب من المتعة التي تولد مشاعر وأحاسيس ينبني عليها الحكم الجمالي. ومن هنا نتبين ارتباط التذوق بالانفعال وما يحتكم إليه من طابع ذاتي، فهو لا يقوم على مقتضيات معرفية بل ينتج عن ضرب مما يسميه البعض باللعب الحر للخيال الذي يشترك فيه الفنان والمتلقي.