بمناسبة الذكرى 46 للمسيرة الخضراء وعيد الاستقلال احتضن المركب الثقافي مولاي رشيد بالدار البيضاء معرضا جماعيا لخمسة تشكيليين مرموقين، ويتعلق الأمر بالفنان التشكيلي محمد فكير، ومصطفى العمري وحسن باحمان وعبد المالك بطومي، وعبد الوافي العيسي.

وافتتح المعرض مساء الجمعة الأخير بحضور جمال مخططار، عامل عمالة مقاطعات مولاي رشيد، ومديرة المركب الثقافي رشيد، غيثة صاهر.
في هذا السياق قال الفنان التشكيلي العصامي، محمد فكير، إنه سعيد بمشاركته في هذا المعرض الجماعي الذي يحتفى بالذكرى 46 للمسيرة الخضراء المظفرة، وعيد الاستقلال. وأضاف في تصريح إعلامي أنه يعتزم في الأيام القليلة المقبلة تنظيم معرض فردي بالرباط، من أزيد من أربعين لوحة تشكيلية ذات المنزع التجريدي، لكنها تحتفي بأسرار الدائرة، وهي خليط من الحرف العربي، والسومري. وأفاد ان الدائرة تشكل المحيط الصغير للإنسان، ويدعو في تيمات لوحاته إلى ان يستكشف الإنسان محيطه الخارجي. وعن تجربته الصباغية يقول نقاد فنيون إن محمد فكير واحد من التشكيليين المغاربة الذين رسخوا وجودهم الفني في المغرب من خلال معارض فردية وجماعية. وأضافوا أن مقتربه الصباغي منعطف جديد على مستوى الإدراك الجمالي، فالفن، هاهنا، ليس تكرارا للماضي أو محاكاة حرفية للواقع. إنه رمز وأثر وعلامة على الذاكرة الفردية والجماعية، حيث يظل الرهان النوعي هو تقديم لغة بصرية لا تحنط الماضي ولا تجعل منه تحفة ميتة. يولي محمد فكير اهتماما خاصا لملكة الخيال في زمن السرعة الآلية، ذلك أن الإبداع من منظوره الخاص تعبير رمزي حر عن ما اختمر في العقل والوجدان، بأسلوب جريء وتلقائي يختزل عناصره الجوهرية المنسابة.
في حضرة أعماله، لا مكان لأي تمرد أو موقف نقدي أو رد فعل… اللوحة بيان بصري مسالم يفتح آفاقا رحبة للحلم نحو عوالم دينامية أكثر غرائبية وعجائبية. كل مشهد بمثابة لوحة مستقلة مثيرة للدهشة، لأنها مستوحاة من الخيال بكل تداعياته وهواجسه التعبيرية… تعلن كل تركيبة لونية بوصفها صيغة شاعرية وشذرية عن الحياة الصغيرة والحتمية لعبقرية الفن المستقل والغريب والحر. يرسم محمد فكير حاجته المتزايدة للمعنى والمجاز، بناء على حركية شاملة تتماهى مع بساطة الإحساس العميق دون أدنى استنساخ أو تقليد. إن هذا الفنان الحالم من الأصوات الجديدة في معبد «الأصالة المعاصرة» التي رفعت شعار «الإبداع من أجل الإبداع لا ضده» وفتحت الباب على مصراعيه لعلم المعاني اللامرئية. يرغب هذا الفنان في أن توجد العين الرائية في الحالة الفطرية لا المتوحشة أو القبلية كما يدعي البعض، فهو يمارس سحرا بصريا لا يكرس أي تمييز بين الجزء والكل والصورة والشيء والذات والموضوع. لقد آمن محمد فكير بقول ريجيس دوبري:«الصورة أكثر عدوى وأكثر وباء من الكتابة». فالصورة من منظوره الجمالي تذكير وانفعال في الآن نفسه، فهي تحيي بسلطتها الرمزية الروح وتنعش الذاكرة وتنتج المعنى والأثر.
ينطلق فكير في أعماله، حسب الإعلامي والناقد الجمالي، محمد فنساوي، في تلوين لوحاته التي لا يختار لها عنوانا، او تيمة، حتى ينتهي من آخر لطخة جمالية، ويقدمها للمتلقي لقراءتها من كل الجوانب، هو مولع بالخط العربي، إلا أن تجربته الأخيرة التي أثمرت أزيد من أربعين لوحة، تماهت مع الدائرة الصوفية، لكن حكايات دوائره لها أسرار، فالخط السومري يبدو كأنه طائر في الدائرة، التي تحمل الكثير من الأسرار، إلى جانب أحلامه الصغيرة والكبيرة. فكير يمنحك اللوحة منغلقة في شذرات ذاتها. فاليد التي رسمت في غابر الأزمان، هي ذاتها اليد التي تمنحك الفرجة والمتعة الجمالية، فلا غرو أن يكون الفنان العصامي محمد فكير واحد من هؤلاء الذين يرسمون بكل جوارحهم و بقلوبهم الكبيرة.
بينما تنطلق تجربة الفنان التشكيلي العصامي مصطفى العمري، من العفوية وتنتهي عند اتجاه "كبرى" العالمي، وبخصوص أعماله المتنوعة ذات الحمولات الفنية العالمي، تتماهى تجربته مع تجربة بيكاسو من خلال رسم لوحة بأسلوبه الخاص الطفولي مستلهما أسلوب بيكاسو التكعيبي. وتتميز أعمال المجدوب بعلامات مستمدة من تراثنا الحضاري، ما يُولد لدى المتلقى الانطباع بأنه أمام جسد موشوم، أو مطلي بالحناء، وهي إيحالات على الراسخ في ذاكرتنا.
دخل المجدوب غمار التشكيل عصاميا، فطريا، بل خاما، ترعرع بين أحضان تجارب عرف كيف يبتعد عنها بالتدرج، وعيا منه أنه لا أستاذية في الإبداع الذي يتطلب الكثير من التفرد بحثا عن أسلوب فني خاص، عن درب خاص، ما جعل أعماله تتطور باستمرار وتحظى باهتمام متزايد من طرف باقي الفاعلين في الحقل التشكيلي وطنيا ودوليا، وتحقق لها صدى متزايدا على المستوى الإعلامي هنا كما هناك، لأن أعماله مطلوبة في الدار البيضاء ( حيث يعيش ويشتغل ) كما في باريس، في ما بينهما ... وبعيدا عنهما أيضا.
عبد المالك بطومي فنان أكاديمي يلتقط النور والظل في المشهد، فلم يكن النور نورا محصورا في قيم الرسم، بقدر ما يعبر عن حالة خاصة في بثه بين العناصر ليشع بنعومة تشبه نعومة الناسك، وتداعيات النفس المتوحدة مع عناصر اللوحة، أعمال توجز فعل الصنعة ودقة الموضوع وحمولته الفكرية، وتقدم شعاع اللون والأشكال بقيم كريستالية تعبر عن مدى تمكن الفنان من تقنياته ومعرفته الدقيقة بفيزياء الألوان والأشكال.
وتختلف تجربة حسن بحمان عن تجارب الآخرين حيث يعكف على ترويض الحرف العربي، وتنتمي حروفياته إلى الشعر الغنائي، فهو يمارس كتابة مغايرة باللون والشكل معا. تندرج لوحاته ضمن شعرية التشكيل الحروفي في ضوء ثنائية الفراغ والامتلاء. كل لوحة حروفية عبارة عن نص محكي ضمني تصعب قراءة ملفوظه باستثناء بعض الكلمات - المفاتيح الدالة على عوالم الفنان التعبيرية وهواجسه الكينونية. يصبح العمل التشكيلي تمويجا لونيا وحروفيا، مجالا لفتح حوار مفترض مع المتلقي.
في حين تندرج تجربة عبد الوافي العيسي ضمن الاتجاه البين تشخيصي، فالوجوه وحدها تتحدث لغة التشكيل، واستطاع هذا الفنان ان ينسج أسلوبا خاصا به، يضاهي أصواتا فنية تزاوج بين التشخيصية الغنائية.