المجدوب طراوة لونية من وحي الفن الخام، والسبتي تحرير اللوحة من الولادة الأولى

تألق الفنان التشكيلي المغربي مصطفى العمري، إلى جانب الفنانة التشكيلية نعيمة السبتي، في معرض جماعي، احتفى بتجارب 80 فنانا تشكيليا من أقطار مختلفة بمصر.

وهكذا انطلق المعرض برواق مكتب القاهرة الكبرى بالزمالك، أخيرا، بحضور أسماء وازنة وشخصيات معروفة في الوسط الفني العربي والمصري، إلى جانب المهتمين بالحركة التشكيلية في مدينة القاهرة من بينهم الفنانة منال عبد اللطيف، والدكتور أحمد سليم، ومدير مكتب القاهرة.
وتميز المعرض، الذي يمتد إلى متم شهر أكتوبر، بأعمال تشكيلية جديدة لكل من الفنان التشكيلي العصامي، مصطفى العمري الملقب بالمجدوب، والفنانة المغربية المقيمة في فرنسا، نعيمة السبتي، اللذين مثلا الفن البصري المغربي في الملتقى الفني.
وفي هذا السياق قال العمري إن مشاركته في هذا المعرض جاءت من منطلق تعميق الحوار الفني بين المغرب ومصر، مضيفا أنه شارك بمجموعة من الأعمال، التي أبدعها حديثا، مبرزا أن أعماله لافت استحسانا جماهيريا من طرف الزائرين، ومن طرف المشرفين على ملتقى عالم الفن المطلق، في مقدمتهم وفاء عابدين، ومحمد هلال بهنساوي وثلة من النقاد المصريين والعرب الذين تقاطروا على معرض القاهرة.
جماليا راكم المجدوب تجربة تشكيلية تستمد مقوماتها من المعارض الفردية والجماعية التي شارك فيها، فبعد الاحتفاء به أخيرا كضيف شرف في مهرجان "رؤى عربية" بمصر، وتأكيد نجاحه الفني في معرض "الفن بلا حدود" بمارسيليا الفرنسية، لفت الانتباه هذه المرة في معرض القاهرة بألوانه المتشظية والتي تنبعث من رماد الطفولة.
وعن تجربته البصرية خصه الفنان التشكيلي والناقد الجمالي، إبراهيم الحيسن، بنص يحمل عنوان "طراوة لونية من وحي الفن الخام"، تقتطف منه ما يلي: يتسم التصوير في لوحات الفنان الفطري مصطفى العمري "المجدوب" بالبساطة والتلقائية في الأداء، ويكشف في نواحٍ كثيرة عن تصويرية Figuration عفوية بخصوصياتها التعبيرية الموسومة بإشراقية الألوان وطراوتها وقائمة على اختبارات ذهنية لا تؤمن بالحقائق المرئية ولا تتقيّد بقواعد علم المنظور، كما في تجارب مجموعة من الرسامين العالميين الذين أسَّسوا للفن الفطري والفن الخام والفن الخالص واتجاه "كوبرا"..وغير ذلك كثير، مع التباين الذي يَسِمُ هذه التيارات على مستوى القصد والتقنيات والمعالجات اللونية، فضلاً عن السياقات الجمالية والتاريخية التي أفرزت هذه التيارات.
لذلك تبرز لوحات الرسم "المجدوب" محملة بقوة الألوان وكثافة الخطوط القوية التي تملأ مساحات السند كشكل من أشكال الاحتفاء البصري واستعادة رمزية لأحلام الطفولة. في هذه اللوحات، تبدو الشخوص والوجوه البشرية منتشرة وسط مشاهد إنسانية مفعمة بالحب والمشاعر الصادقة التي يسعى الفنان كثيراً للتعبير عنها بأسلوبه التلويني الذي مارسه منذ بواكيره الفنية الأولى والذي أضحى يشكل انشغاله ومتنفسه اليومي..
كما لفتت أعمال المجدوب الكثير من النقاد الجماليين من أمثال عبد الرحمان بنحمزة، وسعيد الرباعي، الذي رصد تجربة المجذوب في نص نقدي حمل عنوان "الفنان الذي يتغنى بطفولتنا"، وقال الرباعي" بكامل العفوية، وبكل ما تحمله الطفولة من صدق ومن براءة، يشتغل الفنان التشكيلي المصطفى العمري، الملقب المجذوب، على ذاتنا الجمعية لتخليد صباها الذي يرفض الكبر، هربا مما يمكن أن يشوب الأخير من تحولات وتغيرات قد تُبعد الإنسان عن بداياته الأولى المفعمة بالصدق، بالبراءة وبحب الغير.
كذلك تتكلم تركيبات الألوان البهيجة، الممتلئة بالحياة التي يعمد إليها المجذوب في بناء لوحاته: أحمر، أخضر، أصفر، أزرق... أليست هي الألوان الرئيسة المحملة بالفرح؟ أليست هي أول الألوان التي ينزع إليها كل أطفال الأرض في رسوماتهم وخربشاتهم الأولى؟
وعن ميثاقه التشكيلي قال قيدوم الصحافيين باللغة الفرنسية، دومنيك أرلوندو، إن المجدوب واحد من الفنانين القلائل الذين رسخوا وجودهم الصباغي، انطلاقا من استلهام مواضيعة من مدرسة كوبرا التي تنتمي إليها الشعيبية وبيكاسو وميرو. وأضاف في تسجيل تلفزيوني أثناء تغطية احد المعرض التي شارك فيها المجدوب، أن منجز العمري يزاوج بين تجربة الشعيبية وألوان بيكاسو، مبرزا ان الفنان العصامي العمري سيكون له شأن كبير في الساحة الفنية المغربية والأوروبية، باعتباره الفنان الوحيد الذي يتماهى مع تجربتي أكبر فنانين شهدهما التشكيل العالمي المعاصر.
بدورها تؤكد الفنانة التشكيلية نعيمة السبتي أفقها الجمالي انطلاقا من مدينة مونبوليي الفرنسية، فترى أن مشاركتها في معرض رواق مكتب القاهرة الكبرى بالزمالك ترسخ لعمق العلاقات الفنية التي تربط المغرب ومصر.
وعلى مستوى إنجازها البصري قال نقاد فنيون إن تجربة السبتي جسورة في عليائها، فهي تقدم المرأة في كل تجلياتها وصفائها بصفتها مواطنة كونية بالنظر إلى لغتها الصباغية، مع احتفالها الكبير بالمرأة، الوجه الكامل والذات الفياضة إحساسا. اخترقت هذه المبدعة عصر الصورة واستوعبت بكل أحاسيسها أن الثراء البصري هو امتداد للذات والروح معا. وتبدو أعمالها معادل موضوعي لانفعالات وأحلام وتطلعات المرأة، فسجلها البصري يختزل أفراح ومعاناة المرأة معا. وأضاف هؤلاء النقاد الفنيون أن السبتي التشكيلية التي تنفتح على جسد المرأة وزينتها وجمالها، حيث تتحرك الفرشاة مع الجسد في أربع اتجاهات، بلا رحمة أو تردد، تقتل الفراغ الأبيض، تسيل الألوان وتتلاقى اللمسات السريعة والبطيئة، إيحاءات لوحاتها الطرية تحرضها على الرسم، والذي تقدم عليه بشغف هادئ، أشبه بمتعة الصمت، حيث أعمالها تنسج الواقعية والتشخيصية في أجل كمونها، ثم تخرج اللوحة بتفنيات محترفة، تصدر عن عفوية خصبة، تحررها من الولادة الميتة.
يذكر أن نعيمة السبتي فنانة أعمالها ذات منزع تشخيصي، وتعد واحدة من الفنانات اللواتي اكتوون بروح الألوان، وتسهر على تنظيم العديد من التظاهرات والإقامات الفنية سواء في المغرب او في فرنسا، وتحديدا في مدينة مونبوليي، حيث تترأس جمعية فنية "الفن بلا حدود"، إلى جانب مشاركتها في معارض على امتداد جغرافية المغرب، وبعض الدول الأوروبية مثل إسبانيا بلجيكا، والقائمة طويلة.