يحتضن فضاء دار الصويري بحاضرة الرياح، بين 17 ماي الجاري و5 يونيو المقبل، معرضا استثنائيا للفنان التشكيلي والناقد الفني ابراهيم الحيسن، تحت شعار "مديح الأثر".

وسيشكل هذا المعرض الفردي، المنظم من قبل جمعية الصويرة موكادور، بالرواق الفني الطيب الصديقي في دار الصويري، للزوار من عشاق الفنون، فرصة لاكتشاف ومعاينة الأعمال الجديدة التي أنجزها الفنان الحيسن خلال الفترة الممتدة بين 2017 و2021.
ترسم أعمال هذا المعرض المنجزة خلال الفترة الممتدة بين 2017 و2021 مديح الأثر بمنحى صباغي مختلف ومتجدِّد يمتد لتجربة صباغية سابقة نهلت أساساً من الفكر البصري ومن ثقافة الرحل واستعارت منهما بعض خصائصهما الجمالية والرمزية، وهي تحبل بآثار وبقايا لونية متباينة تتبادل المواقع والمحاورات الطيفية على إيقاع تعدُّد الخامات والسنائد والأشياء المستعملة والجاهزة، وتحيا بداخلها مواد تلوينية محلية، أبرزها النيلة Indigo ببهائها الأزرق الداكن، فضلاً عن مسحوق الجوز والأحبار ومواد الدمج والتغرية..والمحو وغير ذلك من الوسائط التعبيرية التي تشترك في إنتاج المعنى واللذة البصرية.. ففي تقديمه لدليل المعرض، أبرز الباحث والناقد الفني عبد الله الشيخ أن ما يقدِّمه الفنان إبراهيم الحَيْسن للرؤية هو الافتتان البصري بزمن الرحل الغابر والظاهر بكل أخيلته وعذريته على مستوى الدهشة والكمون والاختمار. فالأعمال المشهدية الغرائبية والطلائعية التي حرص هذا الفنان الباحث على عرضها بمثابة عتبات تصويرية وشذرات تذكارية مفعمة بالحس الجمالي والانبهار الكلي أمام عالم من القيم المفقودة الآيلة للاندحار والموت الرمزيين. نحن في غمرة إبداع تركيبي يستعيد ذاكرة اللحظة الآنية وعبرها الذاكرة الإنسانية في مراقي ومقامات وجودها، بعيداً عن كل نزعات التطبيع وآليات التكييف ذات المنحنى التسويقي. مضيفاً أن الفنان، وبعد خوضه لتجارب من وحي متخيَّل الصحراء البصري على سنائد مختلفة (الملحفة، ورق الكرافت...)، أضحى يعرج بنا -هذآ السندباد البري- نحو محيطات بدون ضفاف، نقصد عوالم الأثر المتاهية من المنظور البورخيسي ويدعونا للعودة إلى الرحم المجازي المؤسطر، حيث نرتاد غمار مسالك السحر البصري الذي لا يحتوي على أيِّ تمييز بين الجزء والكل والصورة والشيء والذات والموضوع. في مطبخه الرمزي، ندرك على سبيل جدية لعب الأطفال ورهان لعبة النرد بأن العالم الرمزي يخشى الفراغ، وأن الطبيعة تحب أن تختفي، وأن المبدع كالهيروغليفي المتجوِّل المثقل بأسرار الحياة. رَاهَنَ الحَيْسن على كتابة الصحراء متأثراً ببورخيس واعتبر متاهات التشكيل مرادفاً لمتاهات الرمل مؤسِّساً بَوْحَهُ البصري على الإيحاء والترميز. إن الصحراء من منظوره ليست سديماً أو فراغاً، بل هي فضاء لمقاومة الخواء والعدم في طقس احتفالي بالنُّور والحياة. أما الباحث الجمالي ادريس كثير، فقد أبرز في نصه التقديمي كون الفنان الحَيْسن ينتمي إلى التيار التجريدي، لكنه لا يكتفي بالألوان فقط فهو يعتمد العديد من المسندات: قصاصات جرائد صحافية يستغلّ حروفها، قماش الرّداء أواللّباس التقليدي الأنثوي الصحراوي، يثبّته على الورق ويستغل فيه بعض ملامح الحروفية العربية الصغيرة. من هذه التقنيات نلمح أمشاج من الصحراء أو ما يذكّرنا بها. مشيراً في مقام آخر من النص كونه يمتح تجربته الصباغية من النومادولوجيا (علم الترحال)، بما هي التيه والتسكع والهجرة والرُّوح الفنية والغجرية وانبثاق الفكر الحر..والرحّال يتجلى في الفيلسوف والفنان والمتوحد والهرطوقي والبدوي الصحراوي. فمن هذه التيمات العديدة ينهل موضوعاته الإستطيقية ويسمّي معارضه المنجزة وتهييئاته بأسمائها "آثار مترحلة"، "الأثر والصحراء"، "أنفاس استطيقية"، "مديح الأثر".. إنه مبدع مشبع بهذه الثقافة وبهذه الأفضية يملك مسبقاً مادة إنجازه الفني وعناصر الإبداع. فلا غرابة أن تتبدَّى أعماله الكروماتية وكأنها مجزوءات اقتطعت بانسيابية رقيقة من رمال وليل الصحراء وواحاتها وآفاقها.
بينما تناول الباحث الفني امبارك حسني تجربة الفنان الحَيْسَن من زاوية مُغايرة مبرزاً في مستهلها دلالات الأثر في اتصاله بالترحال Nomadisme ومتاهات الصحراء، قبل أن يتناول تفاصيل التشكيل في هذه التجربة بالإشارة إلى أن الفنان يواصل استكشاف كل إمكانياته الخفية أو الظاهرة من أجل إثارة المشاعر التي من المحتمل أن تولدها. حتى أنه يمتدحها في "مديح الأثر" حيث يوجد هنا عنوان معرض يترك المتلقي مشدوداً نحو معانيه البصرية والإستتيقية. هل يمكننا التحدث بمفردات جمالية متوهجة حول ما هو بعيد المنال؟ ما هي الطبيعة التي تمنحنا هذه المفردات؟ يبدو أن الفنان يحتفظ بالسر، وهو بالطبع النهج الفني الذي يختطه عن طريق الفن. لأنه كما كتب هيجل: "الفن هو الذي يكشف الحقيقة للوعي في شكل معقول". من الناحية الفنية أولا! يسمح ورق الكرافت، والطلاء، والحبر، والدمج بإجراء عمليات توفر المقاومة، والصلابة، والخلفية الملوَّنة، وبالتالي خلق قوة معينة تتيح للموضوع أن يبرز بشكل أكثر جاذبية، بل أكثر وضوحًا ومرئيًة لفترة طويلة.
ومن جهته، اعتبر الباحث الفني حسن لغدش في نصه التقديمي أن الحَيْسن فنان باحث كرَّس كل جهوده لاستكشاف الأسئلة الجمالية باعتباره ناقدًا فنيّاً بارعًا وتشكيليّاً يعتمد إبداعه على موضوع يشكل مفترق طرق بين العديد من المجالات المعرفية، أبرزها الذاكرة الجمالية لبدو الصحراء وتيمة الترحال التي يسعى كثيراً لتمثيلها وعكسها في مرآة المحلي والكوني، الوجود والغياب، الأثر ومحوه. في هذه التجربة الصباغية، يضيف الباحث لغدش، عمَّق الفنان الحَيْسن اشتغاله على الأثر وفقًا لنبرة غنائية وتجريدية قامت على التوازن بين الإشراق اللوني والأشكال المنتشرة. لهذا، حشد جميع الخصائص البصرية والتعبيرية الممكنة، أبرزها اللون الأزرق النيلي Indigo الذي أوجد له صدىً روحيّاً يمتد في ثقافة وفكر رحل الصحراء..
خلال الافتتاح الرسمي للمعرض -السبت 22 ماي الجاري، ستنظم بالفضاء ذاته ندوة تداولية في موضوع "المدينة والسؤال الجمالي" يُديرها الباحث والناقد الفني عبد الله الشيخ بمشاركة نخبة من الفنانين والنقاد التشكيليين، هم: شفيق الزكَاري، نور الدين فاتحي، حسن لغدش، امبارك حسني، ادريس كثير وعبد الكريم الأزهر.