أعماله بصمة متفردة بصيغة الجمع شبيهة بالأثر الطيفي لهويات جمالية متعددة

افتتح الفنان التشكيلي عبد الرحمان رحول، أخيرا، معرضا جديدا بباريس، وتحديدا في رواق La galerie de l’Angle بالدائرة الثالثة غير بعيد عن متحف بيكاسو الشهير في حي Le Marais. ويعد هذا المعرض، حسب عبد الرحمان رحول، أحد المعارض التي احتفت بها فرنسا ضمن موسم دخولها الثقافي والأدبي والفني. وأضاف رحول في لقاء إعلامي أنه يداوم على تنظيم معارضه الفردية بباريس، مبرزا أنه قدم في هذه التظاهرة الجمالية تشكيلة من أعماله المميزة لطريقته التي تمثل مدرسة خصوصية في التشكيل المغربي، إلى جانب منحوتات وسمت مساره الفني.

ويعد منجزه البصري بمثابة تأصيل لصنعته وأسلوبه، وعمله الذي زاوج فيه بين اللوحة والنحت والجداريات أكسبته شهرة عالمية في المعارض والإنجازات التي حققها في عديد من بلدان وعواصم، بدءا من المغرب وعواصم عربية منها الكويت، تونس، الرياض، القاهرة، فلسطين.. وفي إسبانيا والبرتغال وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والصين والهند، وكذا حضور عشرات لوحاته في المتاحف الدولية العامة والخاصة.
ويكفي ان نذكر ان أعمال رحول تماهي بها وعليها مجموعة من النقاد الجماليين مغاربة وأجانب، إلى جانب كتاب ومفكرين، منهم أحمد المديني، والراحلان زفزاف والخوري، وخصه الخوري بمقالة نقدية عنوانها" ازدواجية النحت والرسم" نقتطف منها ما يلي: " يرسم رحول دوما مجالين فضائيين معينين، المكان والكائن، المكان كوعاء بيئوي يتنفس مناخا بطيئا من خلال عناصره المتشابكة، والكائن المرتبط بهذا الوعاء البيئوي الهندسي، حيث ترتبط وتستحيل العلاقة المشتركة الممكنة... في النحت يلجأ رحول إلى استغلال المادة وعناصرها المكونة، ويشيد موضوعا نحتيا مبهما إلى حد ما. أما في الرسم فإن رحول لا يدخل في التجريب كغيره، بل إنه حريص على هويته الأساسية، التشخيصي والتعبيري اللذان يسمان جل لوحاته الزيتية أو رسوماته الصغيرة".
وقال عنه الناقد الجمالي، عبد الرحمان بنحمزة، إن رحول يشكل أيقونة شبه تجريدية تستحضر تيمة الهندسة المعمارية التقليدية، التي يجعلها أساسية في رسوماته. في حين تنهض منحوتاته على المنحنيات البسيطة والمعكوسة، تستدعي في آن خيالات آدمية.
وعن مقتربه الفني، قال الناقد الجمالي مصطفى شباك، إن رحول يستلهم أفكاره من التكعيبية والهندسية، بأسلوب صباغي متفرد يظهر جمالية المزاوجة بين كل الأشكال الهندسية المعروفة في تقنيات الهندسة. أشكاله وكائناته الفنية تختزل تعبيراته، انطلاقا من هرمونية لونية إلى خطوط المنحنيات، التي تنسجم وفق دراية بأمور علوم الهندسة.
في كل زاوية من حيه الطفولي، وفي كل بناية سكنية، يبحث رحول عن نموذج جمالي ليستخلص منه إجابة فنية. بيد أن النحت والرسم عند رحول لا فرق، ثمة علاقة مشتركة بين الاثنين غير مقطوعة، وعندما ينجز أعماله السيراميكية، فإنما ينجز، أيضا، رسوماته الزيتية على القماش، متمسكا بوحدة التيمة والموضوع. لكن بصيغة أخرى، وهكذا يتكامل النحت والرسم عند الفنان، ويحقق بهما توازنا داخليا وخارجيا، ما يعطيه استثناء بين زملائه.
ويعد رحول الفنان التشكيلي الوحيد بالمغرب الذي يبدع باستعمال الصباغة والنحت والسيراميك، متنقلا بسلاسة بين هذه الأشكال الإبداعية التي يعتبر أنها "تتكامل فيما بينها، وتمكنه، كل بطريقتها، من التعبير عن قلقه وانشغالاته وحساسيته الجمالية الخاصة".
في أعمال رحول ثمة اشتغال على الضوء والذاكرة، فمن خلال ارتكانه للذاكرة واستعادته للطفولة ومشاهدها يعيد عبر الضوء وهج الأماكن القديمة من خلال تركيب الأشكال الهندسية للمنازل التقليدية العتيقة التي كانت تتراكم فوق بعضها البعض.
ما بين التصويري والتجريدي وما بين عمل الذاكرة، تسكن رحول رغبة محتدمة في إبراز جمالية أشكاله الفنية في تناسق ما بين الأشكال والفضاء بحس شاعري مرهف، وفي حرص على أن يحمل كل معرض يقدمه جديدا في أعماله التشكيلية التي تضيف تراكما وغنى لمساره التشكيلي.
ولعل خصوصية أعمال رحول تتجلى في كون، كل عمل على حدة، يتميز بتفرد أسلوبه سواء في الأعمال ذات الأحجام الصغيرة أو الكبيرة، أو في اختياره للألوان أو للموضوع، وكأنه يحاول من خلال هذه الأساليب البحث عن توازن ما لهذا العالم.
اشتغل رحول منذ سنة 1972 أستاذا بمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، وذلك بعد أن أنهى دراسته بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الصناعية ومهن الفن وبالأكاديمية الشعبية للفنون بباريس، وقام بتداريب في ميدان السيراميك بكل من هولندا وتشيكوسلوفاكيا سابقا.

ويتشكل المسار الفني للتشكيلي عبد الرحمان رحول، الذي رأى النور سنة 1944 بالدار البيضاء، من خلال الاشتغال على واجهتين متكاملتين، واجهة الرسم والنحت والسيراميك، ثم واجهة التدريس من خلال العمل كمدير لمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء منذ
2003.
شارك رحول، العضو بالجمعية المغربية للفنون التشكيلية، والذي يشكل برأي الناقد الفني محمد علوط "بصمة متفردة بصيغة الجمع شبيهة بالأثر الطيفي لهويات جمالية متعددة"، في العديد من المعارض وطنيا وعربيا وعالميا.
وتجمع أعمال رحول بين ما هو موروث حضاري، وبين ما هو مولود من الرغبة في التجديد والتطوير، أي بين ما هو علمي يضبط أسس البناء الشكلي في العمل الإبداعي، وبين ما هو عملي في رصد معطيات المنظور من الأشياء بواسطة النظرة الثاقبة لمفهوم الجمال، التي تعكس اهتمام الذات ورغبتها في تحريك المتجمد وتحويل المتخيل إلى تراكيب ملموسة وأنماط تجسيدية قابلة لإحداث تحولات جمالية في شكل وباطن الأنماط.