مستقبل المتاحف المغربية بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف 2021

بقلم: رضوان خديد، باحث في الأنثروبولوجيا وعلم المتاحف

ما من شك في أن المتاحف بعيدة عن فئات كثيرة من مجتمعاتنا، وإذا كانت بعض النخب اقتربت منها بهذه المناسبة أو تلك، لسبب أو آخر، فإنها مازالت لغزا مغلقا لا يكاد يحيط بمعانيه سوى أهل الاختصاص من القيمين الساهرين على الكنوز والذخائر المودعة في هذا المتحف أو ذاك. القلة العارفة بأهمية المتاحف والبصيرة بوظائفها وانشغالاتها الميزيولوجية، ما فتئت تدعوا إلى إيلاء كل العناية لهذه المعرفة التي من غاياتها السامية صيانة قسم نفيس من الهوية الثقافية، ورعاية ما يدل على عراقة الحضارة، وتمكين الأجيال المختلفة من سبل التعرف على كل أصل أصيل والتمييز بينه وبين كل طارئ جديد، وبالعزيمة نفسها تنهض المتاحف بوظائف أخرى مثل تبسيط المعرفة ومد جسور التواصل بين الأمم والثقافات ونشر القيم الإيجابية والمساهمة في التربية والتعليم.

للسنة الثانية على التوالي، يصادف الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف وجود جغرافيات كثيرة تحت الحجر الصحي أو تحديد التنقل أو العزل. نقط من العالم، شهيرة بغناها الثقافي والمتحفي، تمر بأزمة متصاعدة؛ حالة الهند ماتزال تشد أنظار الداني والقاصي، والحديث عن “المتحور الهندي” صارت الخبر المقلق والطيف غير المرغوب فيه، والذي توصد في وجهه المطارات والموانئ.
سنة ثانية وباء، واحتفال بالمتاحف، في زمن لا متحف، بمعنى عدم قدرته الانفتاح على العموم بدون قيد ولا شرط، فالكثير من المؤسسات المتحفية مغلقة أو هي في حالة ما بعد الصدمة. بعض المتاحف أضحت بدون موارد تكفل لها بقاءها، بعضها الآخر دخل في أزمة وجودية: تتساءل عن غائية الممارسات المتحفية في غياب التواصل الحقيقي مع الإنسان، وتطرح السؤال عن هذا الانجرار “الحتمي” إلى الافتراضية، وعن معنى وجودها.
ثمة كآبة استقرت بين جدران الكثير من المتاحف وفي أرجاء أروقة المعارض: ففي مثل هذه الأماكن كانت تتجلى فكرة العالم/القرية، وتتحقق هيئة الإنسان/الخالص، تظهر المشاعر التي تجتاح الزائر الواقف أمام التحفة أو العمل الفني فتنزع منه صفة الانتماء الخاص (الجغرافيا الضيقة…)، وتلبسه رداء الكونية، والأصل الأول.
غير خاف على أحد أن للوباء تكلفة اقتصادية واجتماعية، وله أيضا رسم حقوقي وثقافي؛ حق الفرد، كما المجتمع، في الوصول إلى تراثه المخزون في المتاحف والتمتع به، إذ شكل توقف السياحة الدولية تحديا قيميا في المناطق التي كانت متاحفها تراهن على الزائر الأجنبي؛ أما التكلفة الثقافية فمن مظاهرها تراجع مساهمة المؤسسة المتحفية في إتاحة الخدمة الثقافية للجميع، وانكشاف هشاشة، أن لم نقل غياب، السياسة الثقافية في مناطق عدة من العالم.
إن زمن الوباء محنة حقيقية، لقد ساهمت الوسائط الالكترونية في إبقاء النبض الثقافي مستمرا على وهن، لكنها لم تستطع القيام مقام التواصل الفعلي، أي اكتشاف التحف والأعمال الفنية داخل بيئة المتحف. هذا السياق الأخير، والمُفتَقَد، يولد حالة نفسية وإدراكية لا تتحقق إلا في الفضاء المتحفي.
أتاحت الجائحة اكتشاف أهمية الذهاب إلى المتاحف بالنسبة لمجتمعات معينة، كما أظهرت الظروف الصحية الطارئة، غياب آثار هذا “الفقد” في أي نقاش عمومي أو خاص في مناطق أخرى. أحست مجتمعات بأنها حُرمت من حق من حقوقها، في مقابل شعوب ومثقفين في جهات عدة من العالم، لم يخالجهم أي نوع من القلق الواضح بخصوص ما يمكن أن نسميه “الصحة الثقافية” لمواطنيهم (الصحة الثقافية: قياسا على الصحة النفسية التي يكثر الحديث عنها تحت الحجر الصحي).
ومع ذلك فقد شكلت الجائحة فرصة مناسبة للتأمل في مُتع صغيرة وبريئة مثل الوقوف أمام لوحة أو تحفة بدون كمامة، ومن غير الحاجة إلى مد الكف إلى مقياس الحرارة، وبدون صب المحاليل الكحولية على اليدين. هذه، بشكل من الأشكال، أنواع جديدة من القلق انتصبت بين المتحف وعشاقه. فهل يبقى المتحف متحفا عندما يحاط بكل هذه المحاذير؟
وفي سياق متصل، ما من شك في أن ما بعد الجائحة سيشهد صدور تقارير بخصوص حصيلة زمن المحنة، ستستعرض الدراسات أعداد المتاحف التي اندثرت، وسيتم جرد المتاحف التي أضحت خبرا بعد أثر، وستتكاثر الإحصائيات التي تعقد المقارنات بين أرقام ما قبل 2020 وما بعده. ولعل العديد من متاحف الخواص، إلى جانب مؤسسات أخرى، ذات الاعتمادات المحدودة، أو تلك التي نشأت على أساس نوع من التضامن الاجتماعي أو قامت على المبادرة الفردية ذات القدرات المتواضعة، والتي تعبر عن خصوصيات محلية وهويات هشة، ستحتاج أكثر من غيرها إلى بناء علاقة جديدة مع الدولة الحاضنة. قد يرى البعض أن المبادرات التشريعية التي تتوخى إعادة تنظيم الحقل المتحفي، هنا أو هناك، اختيار مقصود يجري في هذا التوقيت من أجل بسط الدولة سلطتها على حقل بقي طويلا خارج التشريع الضابط والمُحَفِّز. والحق إن الفضاء المتحفي في مسيس الحاجة إلى عملية هندسة وتخليق وإعادة هيكلة. ثم إن طبيعة التحديات المعروفة لا تحتاج إلى نصوص تشريعية فحسب، بل ربما، هي بحاجة أكبر إلى خلق بيئة مجتمعية حاضنة وراعية لمختلف المؤسسات الثقافية الحديثة، وأن تكون هذه الأخيرة، من جهتها،واعية بأدوارهاالمجتمعية.
كما تحتاج المتاحف، شأنها شأن غيرها، إلى تصور عمومي واضح بخصوص السياسة الثقافية بشكل عام، وتتطلب، على صعيد موازي، إنشاء الأساس الفلسفي والمعرفي المناسب للمتحفية القادرة على خدمة المجتمع المحلي، أي أن يقع إبداع الأساس المتحفي (الميزيولوجي) على قاعدة حاجيات المجتمع وأولوياته وطبيعة تراثه؛ ففي المتاحف يتم بناء صور عن الهوية، وهو ما يحتاج إلى معرفة نابعة من الذات، معرفة قادرة على القيام بعملتيْ “البناء” و”التفسير”،وبإمكانها مقارعة التصورات والمعارف الخارجية.
بدون شك، ما بعد الجائحة سيعرف انعقاد معارض تعالج مواضيع مستوحاة من الذي عاشته البشرية جمعاء: الإغلاق، الحدود، الخوف، المسافة، المرض، الموت، العزل، التواصل، القلق، الحرية، اللقاح، المؤامرة، الأخبار الكاذبة، يوميات الوباء…، هناك معجم تداولته البشرية بحمولات لا يمكن فهمها إلا على ضوء “زمن الوباء”، ثمة إذن مُشترَك إنساني، وبشكل من الأشكال، نحن أمام عنصر إضافي من التراث العالمي الناشئ اليوم تحت أعيننا، ستكون المتاحف مدعوة إلى توثيقه وحفظه وتقديمه وتفسيره خلال السنوات والعقود الموالية. وهو بدون شك سيشكل إضافة ثرية لأرصدة المتاحف التي تعاملت مع الجائحة وفق استراتيجية معرفية واستثمارية. هناك متاحف عالمية ستحفظ ذاكرة هذه الأيام، وأخرى ستبقى فقيرة وعاجزة لأنها بدون سند سياسي/ثقافي وتفتقد إلى رؤية مستقبلية. ستخرج بعض المتاحف من زمن الجائحة بأرصدة جديدة وبمشاريع فكرية ومعرفية وجمالية، وستبقى أخرى حيث كانت تنتظر الحركة السياحية لتتحرك على إيقاعها أو تتطلع إلى آخر صيحات المزيولوجيا لتحدو حدوها.
إن عالمية الأداة المتحفية توازيها اليوم آفة كونية، ماتزال تلقي بظلالها، لكنها ربما ساعدت البشرية على استرجاع روحها القيمية الجامعة، وربما ذكرت البشرية بحقيقتها الهشة التي طالما توارت تحت طبقة الوهم الناشئة عن الخطاب العلمي الواثق، وَهْم نُقابله بوهم “طوباوي” ناشئ عن الحاجة إلى أمل في أن تخرج البشرية جمعاء من زمن الوباء إلى زمن اللقاء، وأن تكون المتاحف أحد الفضاءات المفتوحة حقا للجميع.
لسنا وحدنا من يذهب في هذا الاتجاه، لقد اختار المجلس العالمي للمتاحف الاحتفاء باليوم العالمي للمتاحف لهذه السنة تحت شعار: مستقبل المتاحف: التعافي وإعادة الاختراع.
ويُفسر المجلسُ العالمي للمتاحف اختياره لسنة 2021 بدعوة المتاحف والمهنيين في هذا القطاع كما في المجتمعات المختلفة إلى تطوير تصور وتقاسم ممارسات جديدة في هذا الميدان، كما أن وراء هذا الشعار رغبة في إبداع قيم ونماذج تسويقية للممارسات الثقافية، حسب تعبير المجلس العالمي للمتاحف، وأيضا إيجاد حلول مُبدَعَة لمواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تطبع الزمن الراهن.
ولعل من أهم ما تحتاجه المرحلة أشياء من بينها: جعل المتاحف فضاءات للبحث العلمي ومنطلقا للدراسات الميدانية؛ووضع مخطط وطني، فعّال جهويا، للاقتناء والجمع والتوثيق؛وإقامة مستودعات وطنية وجهوية لحفظ مختلف أنواع التراث المغربي مما يحتاج إلى أماكن للحفظ.
هذه العناصر لا ترتبط باليومي والآني الراهن، بل تندرج ضمن المستقبلي، كما أنها فوق الحسابات الاقتصادية أو السياسية اللحظية أو الفئوية الضيقة، بل غايتها البعيدة تتمثل في جمع وتوثيق التراث الوطني والجهوي والمحلي بمختلف مكوناته بما يتناسب مع قيمة تاريخ المغرب وتراثه وحضارته، وليس فقط في حدود واقع متاحفه وإدارته.
في المحصلة، لابد من الرغبة والإرادة، إلى جانب قدر غير قليل من الانفصال عن الواقع، من أجل التطلع إلى مستقبل المتاحف المغربية ومحاولة إعادة اختراعها من جديد.