نورالدين عرفي ينخرط في مشروع جمالي يحتفي بالزليج المغربي على محولات كهربائية بالبيضاء

dd0908b1-719a-4567-9bc2-afeac7bbc3d6

رفقة حرفيين يتقنون فن الفسيفساء

في تجربة فنية متميزة تهدف إلى دمج التراث المغربي بالفن الحضري المعاصر، انخرط الفنان التشكيلي المغربي نورالدين عرفي، أخيرا، في مشروع جمالي يسعى إلى تحويل محطات لتحويل الكهرباء في بعض أحياء الدار البيضاء إلى لوحات تشكيلية نابضة بالألوان، تنبض بجمال الزليج المغربي وتعيد الحياة إلى الفضاءات المهملة، يقوم بها حرفيون يتقنون فن الفسيفساء تحت إشراف نورالدين عرفي وبتوجيهاته الفنية والأكاديمية.


المبادرة، التي انطلقت من عمالة عين السبع الحي المحمدي، تمثل أول تجربة من نوعها في المدينة للاشتغال الفني على جدران محطات محولات كهربائية، خاصة تلك الواقعة قرب البحر. من خلال رسومات تجمع بين التجريدية والتكعيبية، يقدّم الفنان عرفي أعمالا تحتفي بالهوية المغربية، باستخدام أنماط الزليج الدقيقة وألوانه الزاهية التي تعكس روح التراث المغربي الأصيل.

وقال عرفي في تصريح إعلامي إن المشروع يهدف إلى «نقل الزليج من خصوصية المنازل والرياضات إلى رحابة الفضاء العام، ليصبح هذا الفن متاحا لكل من يمر ويشاهد»، مشيرا إلى أن كل جدارية أنجزها ليست فقط للزينة، بل هي «تعبير بصري عن روح المكان وتاريخه، وترسيخ لهوية مغربية نابضة بالحياة».
وأضاف عرفي أن تجربته اعتمدت على التعاون مع حرفيين تقليديين في فن الفسيفساء، من أجل تحقيق توازن بين الإبداع الفني الحديث والحرفية المغربية العريقة. واعتبر أن الفن الحضري وسيلة لإعادة ربط المواطن بفنه وثقافته، خاصة في مدينة كبرى مثل الدارالبيضاء، حيث تتسارع وتيرة التمدن وتفقد بعض الأحياء ملامحها الأصلية.


المشروع يشكل نموذجا واعدا لإدماج الفنون البصرية في الفضاء العام، ويبرز كيف يمكن لفن مغربي أصيل مثل الزليج أن يتحول إلى لغة حضرية معاصرة تحتفي بجمالية المدينة، وتعيد الاعتبار لذاكرتها البصرية والثقافية.
على المستوى الجمالي ارتبطت تجربة الفنان التشكيلي نورالدين عرفي بالكثير من الكتابات النقدية، ونكفي أن نذكر في هذا الجانب، الناقد الفني والجمالي العراقي الدكتور ماضي حسن نعمة، الذي كتب مقالا بسط فيه تجربة عرفي الصباغية، نقتطف منه ما يلي:” الفنان نورالدين عرفي تتوافق فروع أعماله الإبداعية بين ما امتلكه من خبرة الاختصاص في التصميم المعماري، وبين دراسته التشكيلية في أحد معاهد الدارالبيضاء، تلك التوافقات المكملة لبعضها الآخر تمنح الفنان رؤية الإمعان البصري الفكري بين جوانبها التي تنحو بمجريات التجريب الفني الأدائي الذي يولد إفرازات التجدد والسمو في مجريات آفاق التطور التقني وخصوصية التفرد في الاختيار والصيغة الأسلوبية التي تمنح المتلقي تقبلا بصريا تذوقيا استرخائيا”. وأضاف الناقد حسن نعمة أن الفنان عرفي عمد إلى اتخاذ صيغة تحويرية مختزلة نحو فروع أجساد الخيول، التي تناولت عيون الفرس، فضلا عن تنفيذ أعمال تتضمن عيونا من الجواهر. وأبرز حسن نعمة أن عرفي فنان عاشق ومغرم بعيون هذا الحيوان الذي تحت حوافره الخير، اذ اختار مفردة تعد من أهم وسائط الدماغ العقلي كوسيلة ناطقة وفاحصة للتأكد والحذر والتقبل البصري، تأتي هذه المرحلة من الاختيار، يضيف حسن نعمة، بعد مضي عدد من المراحل الأدائية للمساحات الواسعة المحيطة بالأعين الصاغية في النظر والتأمل، تلك المساحات التفصيلية تمثل الجسد بتفاصيله الدقيقة بدءا من العنق ثم ما يليها من تفاصيل مكملة للجسد، تنفذ بطريقة الأداء الأكاديمي الواقعي.
فنان متيم بهوية الفرس، هو نورالدين عرفي، الذي أوضح أن كل حصان قد يتشابه مع الآخر، إلا أنه يختلف عنه في العيون، ومن هنا فشهادة ميلاد أي حصان ترتكز على لون العين وحجمها وكبرها. عرفي فنان آثر الاشتغال على المواضيع الحية مثل الفروسية إلى جانب التركيز على كل ما يعتمر في كيانه ودواخله، يحرص الفنان المبدع على إعادة تمثيل قيم الذاكرة المشتركة في منزعها التشخيصي الواقعي، يستوحي عوالمه المشهدية من ملكته الطبيعية، لكنه يفصح عنها من خلال مهاراته وكفاياته على مستوى الإعداد والإنجاز. مقتربة الفني يزاوج بين توسيع الإدراك الجمالي وتحرير المخيلة، بل نكاد نجزم أنه تواطؤ بين مخيلة حرة جسورة وإدراك موسع.


فإذا كان الفنانون المستقبليون قد انتصروا في بياناتهم وأعمالهم لجمال السرعة والتقنية، فإن نورالدين عرفي ينشد جمال الأصيل في الأشياء والكائنات، منطلقا من الوحدات البصرية لواقعه المحيط به، إذ على المتلقي المتذوق أن يبحث عن المعاني الضمنية بالعقل والحدس معا. آلف عرفي في تجربته التصويرية بين التشخيص التأثيري، والاختزال التشكيلي، والجمال الصافي الموضوعي، وفعل اللون على الحواس والاستيحاء البلاغي. يتخذ العمل الفني في هذا السياق العام موضع النوطة الموسيقية الترميزية لتحويل المشاهد من عالم القلق إلى عالم الانتشاء والابتهاج.
يقتنع المتأمل لأعمال عرفي أيما اقتناع بأن الفعل التشكيلي يخضع تماما لقول كاندنسكي، مؤسس اتجاه الفارس الأزرق: “لابد من التعبير عن الحاجة الداخلية، حيث يبدو تناغم الألوان والأشكال حصيلة الاحتكاك الفعال مع الروح البشرية”.
نبذة عن الفنان
نورالدين عرفي فنان تشكيلي بدأ بالحروفيات، وأسس أسلوبا جديدا في الفن التشكيلي، ويتعلق الأمر بتجسيد التفاصيل الصغيرة لـ”عيون الفرس”.
حاصل على دبلوم في الرسم المعماري والكهربائي بالبيضاء؛ ودرس الرسم التشكيلي في مدارس خاصة. راكم تجربة صباغية أهلته إلى الفوز بشهادات تقديرية من المغرب ومن دول آسيوية ومن البرازيل.