رمضانيات «نادي الكتاب لوماتان»… حين يزهر الشعر في ليالي المعنى
في حضرة الكلمة والملحون، يفتح «نادي الكتاب لوماتان» نوافذ الروح على ضوء رمضان، وتكتب وداد بنموسى رسائلها إلى العالم بحبر الحنين والجمال
في أمسية جاور فيها الشعر الملحون، وتعانقت فيها الكلمة مع ناي الروح، أضاء نادي الكتاب «لوماتان» ليلَ الرباط بفتنة القصيدة، وفتح نافذةً على المعنى في شهرٍ يُصغي فيه القلب أكثر مما يتكلم. كانت الأمسية الأولى من «رمضانيات» النادي وعداً بالجمال، ووفاءً لتقليد ثقافي صار موعداً سنوياً لعشّاق الكلمة الهادفة، حيث لا يكون الشعر ترفاً بل ضرورةً، ولا تكون القصيدة ترفيهاً بل تأملاً عميقاً في الذات والعالم.
احتضن فندق سوفتيل بالرباط هذا اللقاء الاستثنائي الذي جمع الشاعرة والإعلامية وداد بنموسى بالكاتب منير سرحاني، في حضور نخبة من المثقفين والشعراء والمهتمين، أولئك الذين يؤمنون أن للقصيدة قدرةً على إعادة ترتيب العالم، ولو في الوجدان. ومنذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن الأمر لا يتعلق بتقديم ديوان أو الاحتفاء بتجربة فحسب، بل بفتح حوار حي حول أسئلة الكتابة والذاكرة والجمال، حول الحاجة الملحّة إلى الشعر في زمن تتكاثر فيه الضوضاء. ولم تحضر الكلمة فقط في هذا المنتدى الثقافي فقط، بل جاور الملحون الشعر من خلال المطربة ليلى المريني ومجموعتها الموسيقية.

استهلّ منير سرحاني الأمسية بكلمة صادقة، شكر فيها الحضور وهنّأهم بالشهر الفضيل، قبل أن يبوح بابتسامة العارف بأن الشعر لا يقاس بعدد الكراسي الممتلئة، بل بعمق الأثر الذي يتركه. غير أن هذه الليلة خذلت الصورة النمطية؛ إذ كان الجمهور وفياً، حاضراً بكثافته ونبله، وكأن المدينة قررت أن تنصت. نوّه سرحاني بالدور الذي يضطلع به نادي الكتاب «لوماتان» في إثراء المشهد الثقافي المغربي، مشيداً بجهود مديره علي علوي صوصي، ومعتبراً هذا المنتدى حدثاً بارزاً يعيد للثقافة مكانتها في الفضاء العمومي.
قدم سرحاني ضيفته باعتبارها شاعرة تمارس «النضال الثقافي» بمعناه الأجمل؛ فهي ليست فقط صوتاً شعرياً راكم أكثر من ثلاثة عشر ديواناً، تُرجمت أعمالها إلى لغات عدة، بل هي أيضاً إعلامية حاورت كبار الشعراء والكتاب، وفاعلة ثقافية اشتغلت داخل بيت الشعر واتحاد كتاب المغرب، وأدارت المركز الثقافي «بوكماخ» بطنجة، واضعة خبرتها في خدمة الفعل الثقافي والمؤسساتي معاً. هكذا تتجسد في شخصها صورة الشاعرة التي تكتب وتبني، تحلم وتعمل.

حين أخذت وداد بنموسى الكلمة، بدا صوتها امتداداً لنصوصها: هادئاً، عميقاً، مشبعاً بصدق التجربة. شكرت نادي الكتاب في شخص مديره، وكل الساهرين على هذا المشروع الثقافي الرائد، معتبرة أن مثل هذه المبادرات تندرج ضمن ما تسميه «النضال الثقافي»، ذلك الجهد الصبور الذي يتيح للكتاب أن يحضر، وللسؤال أن يُطرح، وللفرح أن يجد له مكاناً في مجتمع في أمسّ الحاجة إلى المعنى.
استعادت الشاعرة طفولتها في القصر الكبير، تلك الطفلة التي كانت تراقب والدها وهو يصفّ الكتب في المكتبة، تتسلل بين الرفوف وتلمس العناوين بشغفٍ خفي. من هناك بدأت الحكاية: علاقة روحية بالكتاب، تشكلت في صمت، ونمت كما تنمو شجرة في باطن الضوء. في مكتبة الأب وجدت منابعها الأولى، وتكوّنت حساسيتها الجمالية، قبل أن يجرّها الشعر إلى فضائه الرحب، فتكتب مبكراً وتراكم تجربة جعلتها من أبرز الأصوات الشعرية في المغرب والعالم العربي.
ثم جاءت طنجة. المدينة التي وصفتها بالسحر والفتنة والليل والحلم. مدينة البحر الذي كان ينقصها في مسقط رأسها، فصار في حياتها أفقاً جديداً للكتابة. في طنجة كتبت أجمل نصوصها، وعاشت صداقة الأمكنة التي احتضنت قامات أدبية وموسيقية كبرى. ورغم ما فقدته المدينة من بريقها الثقافي، فإنها ما تزال في وجدانها فضاءً رحباً للخلق والتجدد.

من أكثر اللحظات تأثيراً في الأمسية حديثها عن ديوانها «في تضام»، الصادر عن دار «الفاصلة» بطنجة. ديوان رسائل شعرية كتبتها على امتداد ثلاثين عاماً، موجهةً إياها إلى قامات أدبية وفنية شكلت جزءاً من وجدانها الفكري والشعري. استحضرت، وهي تتحدث، الكاتب والفيلسوف اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، الذي اقتنت بالصدفة كتاب رسائله بطنجة سنة 1996، وتأثرت بأسئلته الوجودية حول الحياة والموت والزمن والصمت. من تلك اللحظة تولدت فكرة الرسالة الشعرية بوصفها شكلاً من أشكال الحوار عبر الزمن.

في «في تضام» تخاطب بنموسى مارينا تسفيتايفا، روسيو خورادو، مارلين مونرو، إديث بياف، فيروز، مارسيل خليفة، شارل أزنافور، فريدا كاهلو، موديلياني، ومحمد شكري، ومحمد خير الدين، ومحمد الماغوط، ومي زيادة، ومحمود درويش، وآنا أخماتوفا، وعبد الكريم الطبال، ونيكوس كازانتزاكيس… أسماء تتجاور في نصوصها كما تتجاور النجوم في سماء واحدة. لا تستحضرهم بوصفهم رموزاً بعيدة، بل ككائنات حيّة، تشاركها الأسئلة والهواجس، وتمنحها فرصةً لنسج ألفة شعرية عابرة للغات والحدود.
خصوصية هذا العمل لا تكمن في نصوصه فحسب، بل في عتباته أيضاً؛ إذ أرفقت الشاعرة رسائلها بمنجز بصري على شكل بطاقات بريدية تحمل صور المهدى إليهم وبلدانهم وتواريخ ميلادهم ووفاتهم. هي، المنشغلة بالفنون البصرية، أرادت للقصيدة أن تتجاوز حدود الصفحة، وأن تتحول إلى فضاء تلتقي فيه الكلمة بالصورة، والضوء بالظل، في توقيع مشترك يؤسس لحوار جديد بين الشعر وبقية أشكال التعبير.

ولأن الأمسية كانت وعداً بالمجاورة بين الشعر والملحون، فقد كان للحضور موعد مع وصلة غنائية أدتها الفنانة ليلى المريني ومجموعتها الموسيقية، في أداءٍ حمل الجمهور إلى عوالم الروحانيات، حيث تذوب الحدود بين الكلمة المنطوقة والكلمة المغناة، ويصبح الصوت جسراً آخر نحو المعنى.
في لحظةٍ حميمة، قرأت وداد بنموسى نصاً من ديوانها «ألهو بهذا العمر» من قصيدة «حبة نور أيها الإله»، كما ألقت رسالة شعرية إلى شارل أزنافور، فكان الصمت الذي تلا القراءة أبلغ من أي تصفيق؛ صمت الإنصات العميق الذي لا يقطعه إلا خفق القلب.
واختُتم اللقاء بكلمة لمدير نادي الكتاب «لوماتان»، علي علوي صوصي، الذي جدّد التأكيد على أن النادي في خدمة الثقافة والمثقفين، وضارب موعداً مع أمسيات أخرى، ومع أصوات جديدة ستواصل هذا النضال الجميل.
هكذا كانت الأمسية: درساً في أن الشعر ما يزال قادراً على جمع الناس حول نار المعنى، وأن الكلمة الراقية حين تُقال بصدق، تنحت أوارها في الذاكرة والوجدان معاً. في زمنٍ يتسارع فيه كل شيء، منحنا الشعر فسحةً لنبطئ، لنصغي، ولنتذكر أن الإنسان، في جوهره، كائن يبحث عن حكاية… وعن قصيدة.
