مجلة متخصصة في الفنون البصرية تحتفي بـ50 تشكيليا عالميا

f96a3c06-2802-42d1-9230-d7b17f0991c9

“NEVADART” الفرنسية ترصع أعمال المجدوب

خصصت المجلة الفرنسية المحكمة والمتخصصة في مجال الفنون التشكيلية “نفادآرت”، “NEVADART” عددا خاصا لـ50 فنانا تشكيليا عالميا من أوروبا وأمريكا، ضمنهم الفنان التشكيلي العصامي، مصطفى العمري الملقب بـ” المجدوب” من المغرب.
وأشاد الكاتب ومدير تحرير المجلة، نفادا هانسون مانكيني، في افتتاحية العدد، بفنانين عالميين من أمثال ستيفان كاريل، من فرنسا، وريناتو بوينو من بلجيكا، والتشكيلية زيكزاك من إنجلترا، والمجدوب من المغرب، إلى جانب أسماء عالمية مرموقة، كما نوه بطاقم المجلة، مشيرا إلى أن الخط التحريري للمجلة يرتكز على التنوع في مجال الفنون التشكيلية، وتعد المجلة، حسب مدير التحرير، مدخلا إلى الثقافة والفن للجميع، مضيفا أن كل عدد يصدر من هذه المجلة وراءه كتاب ونقاد فن متمرسون.
ونقتطف من ورقة نقدية للكاتبة والناقدة الجمالية، شمس صهباني، خصصتها لأعمال الفنان التشكيلي، المجدوب، واختارت لها عنوانا دالا ” الانفعال في فنّ المجذوب يسمو بالألوان الخام في لوحاته التلقائية”، ما يلي:” مصطفى العمري، المعروف فنياً بلقب “المجدوب”، هو فنان تشكيلي مغربي يتحدر من مدينة الدارالبيضاء. تتلمذ على يدي الراحلة الشعيبية طلال، أيقونة الفن المغربي، التي رحلت عن عالمنا سنة 2004، وبرز بأسلوبه الفطري في الرسم، الذي يحمل بصمة الشعيبية في بساطته وفرادته. لقد طوّر المجدوب أسلوبًا فنياً يبرز بساطة الخطوط وحدّتها، ويعتمد على ألوان زاهية نابضة بالحياة”. وأضافت شمس، في أعمال المجذوب، نجد أنفسنا أمام عالمٍ من التلقائية والبراءة؛ كأننا نطل على أحلام الطفولة. يحتفظ برونق الرسم الطفولي الذي يخلو من التعقيد والتصنع، وتبدو الأشكال فيه صافيةً، خالية من أي قيد أكاديمي. وهذا ما يمنح أعماله طابعاً فطريًا أصيلاً، وكأنها دعوة للعودة إلى ينابيع الفن الأولى.
ألوان المجدوب ليست مجرد وسيلة تزيينية، بل هي صرخة حياة. ألوان خام ومضيئة تنبض في كل لوحة بطاقة عاطفية خالصة. ففي كل لمسة من ريشته، نجد ارتجافة قلب، وشحنة وجدانية تنبع من أعماق الفنان، وتنسكب مباشرةً على سطح اللوحة. هكذا يُنقل الإحساس من قلب المجدوب إلى عين المتلقي دون حواجز.


يتميّز المجدوب بأنه يرسم بقلبه، لا بيده فقط. ترتجف يداه تحت وطأة العاطفة، وتهتز معها ألوانه، فتنطق اللوحات بلغةٍ صادقة، تخاطب الروح. فلوحاته بعيدة كل البعد عن الحسابات الجمالية الباردة، وهي تنقلنا إلى عالم دافئ وصادق، عالم يدعو للتأمل والتعاطف، ويوقظ فينا القدرة على الانبهار بجمال التفاصيل البسيطة من حولنا.
ورغم هذا الزخم من الصدق الفني، لم تسلم أعمال المجدوب من بعض الانتقادات. فهناك من يرى أن بساطة أسلوبه تخفي نقصًا في العمق أو التعقيد الفني. غير أن هذه “البساطة” ليست ضعفًا، بل خيار جمالي مقصود. فالمجدوب لا يضع نفسه في خانة مدرسة فنية بعينها، بل يرى الفن وسيلةً للتعبير عن الحياة كما هي، دون زخرفٍ أو تزييف.
فنّه إذًا نداء صريح إلى الصدق والتلقائية. هو لا يسعى إلى الإبهار، بل إلى لمس القلوب. لوحاته كأنها أبواب مشرعة على عوالمه الداخلية، يشاركنا فيها مشاعره وهمومه، فرحه وحزنه. وكأنّه يقول: “تأملوا هذه الخطوط، ستشعرون بما شعرت به وأنا أرسمها”.


تتّسم الأشكال في أعماله بالرمزية العاطفية، ويتنقّل بين السريالية والتجريد. أحيانًا يرسم شخصيات تتداخل في ما بينها، تتلاشى ملامحها في محيطها، وتنصهر في عالمٍ حالم بعيد عن الواقع. وأحيانًا أخرى، يميل إلى التجريد الهندسي، ويخلق تركيبات تعبيرية باستخدام خطوط وألوان بسيطة. وبين هذين القطبين، تنبثق سحرية الفن المجدوبي، حيث تختزل الأشكال المشاعر، وتصبح الألوان لسان الروح.
وفي صميم كل لوحة، هناك ارتعاشة يد، تُعلن عن تماهي الفنان مع ما يرسم. هذه التماسة المباشرة مع عواطفه تمنح لوحاته بُعدًا إنسانيًا مفرط الحساسية. إننا لا نشاهد فقط، بل نشعر ونحس. فالمجدوب لا يعيد تصوير الواقع، بل يروي حكايات شعورية، تمسّنا في أعمق وجداننا.
تُذَكِّرنا لوحاته بجوهر الفن الحقيقي: أن ينقل الإحساس، أن يلامس الروح. وهذه هي القوة الكامنة في أعماله التي لا تزال تُلهم وتُحرّك القلوب.
الكامنة في أعماله التي لا تزال تُلهم وتُحرّك القلوب.
أما استخدامه الجريء للألوان الأساسية – الأحمر، الأصفر، الأزرق، والأسود – فيُضفي على أعماله بُعدًا شعوريًا إضافيًا. فالأحمر، رمز العاطفة والوهج، يحتل مكانًا محوريًا في معظم أعماله، موجّهًا البصر مباشرة إلى النقاط الجوهرية. أما الأصفر، بلونه المشمس المبهج، فيبعث النور والتفاؤل داخل اللوحة، ويخلق توازنًا مع حرارة الأحمر. في حين يمنح الأزرق إحساسًا بالسكينة والتأمل، ويرمز إلى العلاقة الحميمة بين الإنسان والطبيعة. وأما الأسود، فهو خطّ الحدود، صوت الظلال، والسر الغامض، ويمنح تكويناته عمقًا بصريًا وروحيًا.


وبهذا المزج الفريد، تتحوّل الألوان عند المجدوب إلى أدوات تعبير وجداني، لغة بصرية تتجاوز الواقع نحو الإحساس الصافي.
لكن المجدوب ليس فقط فنانًا بارعًا، بل هو إنسان استثنائي في كرمه وتواضعه. خلال لقائي به لإجراء هذا الحوار، أهداني لحظة لا تُنسى. أمام عيني، رسم لوحةً بسرعة وإتقان، مستخدمًا ألوان الغواش، ليعبر بها عن امتنانه. سلّمني اللوحة، مبتسمًا ابتسامة دافئة، وسمّاها: “تحية إلى شعيبية”. لحظة مؤثرة اختزلت إنسانيته.
بعد اللقاء، دعاني إلى منزله لأتعرف على عائلته الصغيرة. كانت جدران بيته تنبض بأعماله، كل زاوية تنطق بحبّ الفن. زارني في مرسمه الخاص، ذاك الركن المقدّس حيث تولد لوحاته. غمرني الإلهام هناك، وتحت إشرافه، اخترنا معًا بعض لوحاته لتصاحب هذا المقال. لم يكن الاختيار سهلاً، فكل لوحة تحمل قطعة من روحه.


وخلصت الكاتبة شمس صهباني في ورقتها النقدية إلى القول إنها لحظة أخرى من الكرم، قدّمت لي زوجته سلةً مملوءة بخبزٍ منزلي الصنع، في لفتة لا تقلّ شاعرية عن لوحاته. خرجت من بيته وأنا ممتلئة بالمحبة، مفعمة بالدهشة.
لقد أيقنت أن الفن ليس فقط ما نراه على القماش. إنه لقاء، تواصل، وعطاء. المجدوب يُجسّد هذه الحقيقة. بفنه وإنسانيته، يدعونا إلى التأمل في الجمال الكامن في الحياة البسيطة، وإلى مشاركة لحظات الدهشة مع من نحب. حملت معي من تلك التجربة ذكرى لا تُنسى: لوحةً تعبّر عن الامتنان، ورغيف خبزٍ يُجسّد دفء المحبة.
إنها لحظةٌ ستبقى محفورةً في وجداني، ودرسٌ جميل علّمني أن الفن الحقيقي يوحّد القلوب، ويمنح الحياة طعمًا أعمق.