بحضور نقاد جماليين ومتتبعين للشأن الثقافي في المغرب وجمهور نوعي

تقديرا لمسارها الفكري المتميز، حظيت الكاتبة والشاعرة والفنانة التشكيلية، لبابة لعلج، بتقدير خاص خلال حفل توقيع إصدارها الجديد “همس الصمت”، برواق رابطة كاتبات المغرب ضمن فعاليات الدورة الـ29 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، التي تتواصل إلى 19 ماي الجاري.
وجرى حفل التوقيع بحضور الإعلامي طلحة جبريل والناقدين محمد اشويكة، وعبد الله الشيخ.وفي تقديمه للكتاب، الذي ترجمه الناقد عبد الله الشيخ إلى العربية، قال الإعلامي طلحة جبريل في كلمة وسمها بـ”رسم بالكلمات وصمت يتحدث”، عندما تقرأ كلمات لبابة لعلج وتتأمل لوحاتها في عملها الجديد “همس الصمت”، يتولد لديك انطباع بأن هذه المبدعة تكتب رسومات وترسم كلمات على جدار الزمن، وبذاكرة فيها الكثير من الحروف والألوان والأضواء والظلال، فيها الإنسانة، التي تمزج مزجا مدهشا بين الشعر والرسم، وتقودك في بهو إبداع فسيح.
بهذه الكلمات تمنح لعلج للمتلقي الانطباع بأنها لا تكتب، تبدو عندما تهمس بهذه الكلمات كأنها تلتقط قطعا من عملة أثرية نادرة.
واختتم جبريل كلمته بشهادة في حق الكاتبة قال فيها “التقيت الشاعرة لبابة لعلج مرتين، لقاءين مطولين، وجدتها إنسانة حالمة، لكن لا تفرض أحلامها على أحد. في عينيها نشوة عصفور. إنسانة تتميز بذكاء مرهف وروح مرحة وتشيع الابتسامة والتفاؤل على من حولها. تتحدث دائما بتهذيب وبصوت خفيض وبتواضع. إنها حقا شاعرة”.
من جانبه يرى الكاتب والناقد الجمالي، محمد اشويكة، في كلمته الموسومة بـ”أبجدية الصمت المرهفة”، أن المشهد الثقافي المغربي والعربي يعاني عامة من ندرة المؤلفات والإبداعات التي تعنى بالجمع بين المكتوب والبصري كاستلهام اللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية أو الانفتاح على المجال الأيقوني بشكل عام بالنظر إلى ما يمكن أن يرفد به الكتابة على مستوى إغناء التأويل، ووضع الإبداع أمام إشكالات وإبدالات جديدة، مشيرا إلى أن الفنانة والكاتبة لبابة لعلج استطاعت أن تخوض غمار تلك المزاوجة بروح إبداعية وتأملية متفردة، فهي التشكيلية والكاتبة في آن، وهي المنشغلة بأسئلة الألوان والكلمات، وما تفرضه تلك اللعبة الفنية من معرفة مسبقة واستعداد إبداعي خاص، لأنه يندرج ضمن نوع من الاجتهادات الذاهبة والراجعة من منطلقين جدليين مختلفين: جدل اللوحة والكتابة.
وحسب اشويكة، فإن الفنانة لبابة لعلج، وطنت عملها الإبداعي ضمن سلسلة “كتابات ولوحات” للإشارة إلى الجمع الواعي والمقصود بين اللوحة الفنية والكتابة الإبداعية المنفتحة على القصيدة والشذرة، وقد قسمت عملها الموسوم بـ”همس الصمت” إلى شقين اثنين: “همس وصمت” و”أبجديتي”، فجاءت الأعمال متصادية في ما بينها، تجمعها روح متدفقة من منبع واحد أساسه تلك الذات المتأملة والمتألمة التي يدفعها البحث عن الحقيقة نحو الانسيابية والبوح الروحي والعاطفي والوجداني.
كما سلكت الفنانة لبابة في كتابها هذا مسلك الكتابة الحداثية التي تسعى للإمساك بنص متحرر من بعض الإكراهات الذاتية، فانتصرت للعين والنظر، وللبصر والبصيرة، فجاءت النصوص حبلى بالمكونات والإشارات البصرية اللافتة للنظر والتحليل، وهي بذلك تنحت تعبيريتها المناسبة.


ينقلنا هذا الكتاب من الحياة الضاجة التي نحياها، ويجعلنا في قلب الصمت النابض، ذلك أن الإنصات للذات يصير رديفا للوحدة الطوعية التي يعيشها الفنان أو المبدع قصد تبديد ظلمة الحيرة، واقتناص الوحدة الساعية لتحقيق السلام الداخلي وتجاوز الانتظارية الوجودية المتشائمة. لقد احتفى الجزء الأول من هذا الكتاب الفني بموضوعة الصمت بشكل كبير كما ينجلي في بعض النصوص من قبيل “الصمت الذي ينجب” و”الصمت يحجب عتماته” و”صمت المتوحد” و”صمت الأصم” وكأننا أمام نصوص حكمية عاكسة لنفسية صاحبتها التواقة إلى السكينة الداخلية، والراغبة بإلحاح في تجاوز أشواقها المرة، وذلك عبر الجمع بين أشكال تعبدية وروحانية تعبر عن العمق الإنساني الذي يمكن أن ينعكس صفاؤه الروحي ضمن تعبيرات جمالية تفيض عبر اللغة أو على سطح اللوحة.
بينما اعتمدت الكاتبة في الشق الثاني من “همس الصمت” على مقتبسات استقتها من الفلسفة والحكمة والأدب، فضلا عن حضور أسماء الفلاسفة (فيتاغورس، سقراط، أفلاطون…) والأدباء والفنانين (أندي وارول، ييف كلاين…) ليس من أجل التوظيف فقط، وإنما لخلق نوع من السجال الفكري بين الذوات المبدعة التي غامرت بكل ما لديها كي تترك أثرا مغايرا. فالكتابة مغامرة، والكتابة المغامِرة تجاوز لذاتها. هكذا سعت لبابة لعلج إلى أن تخلق عالمها التعبيري الخاص داخل اللوحة والنص، وهي بذلك تحاول تثوير التعبيرية داخل بؤر رهيفة كي تتجاوز هشاشة الكائن الوجودية، والقبض على رهافة الحياة داخل دلائل اللغة في ارتباطها بالوجود.
ونحن نفرغ من قراءة هذا الكتاب الماتع تشغلنا فكرة إبداعية ناظمة لتفاصيله “طموح الذات المبدعة لوضع أبجدية شفيفة للصمت”.