سيمياء الأهواء في رواية ألواح المتنبي

0d6307f1-dfe9-4ec8-9d9c-a854d9534212

بقلم: نهيلة العربي

“ألواح المتنبي”، رواية حاول فيها نور الدين محقق الكشف عن الأبعاد السياسية والثقافية والأدبية في حياة الشاعر”المتنبي”، إضافة إلى محاولة فهم العلاقات السياسية والإنسانية لدى المتنبي في ارتباطه الوثيق مع الشخصيات المؤثرة فيه وفي ثقافته وأدبه، إذ حاول من خلال هذه الرواية تصحيح أوهامنا وأفكارنا المغلوطة حول شخصية الشاعر، فبهذه الرواية دلالات ومؤشرات ورموز تفرض علينا فك مغاليقها وفضح أسرارها للوصول إلى الحقيقة، حقيقة حياة أبي الطيب المتنبي وتجربته الشعرية وعلاقته المثيرة للجدل.
الأمر الذي دفعنا إلى دراسة المغيب بهذا النص الروائي، وذاك من خلال تمثيل الأهواء ودراسة المستويات التي بنيت عليها هذه الأهواء بالرواية. ظهرت عدة اتجاهات استطاعت أن تدرس لنا النص الروائي في مختلف التوجهات، ومن بين هذه الاتجاهات، سيميائيات الأهواء، إذ تندرج ضمن سياق المشروع النقدي للنظرية السيميائية من خلال الاهتمام بالبعد الهووي، وإعادة الاعتبار للجانب الداخلي للذات الإنسانية التي همشت.
يعد “الهوى” من المنظور السيميائي سلسلة من الحالات الانفعالية تقتات بالاستيهامات النفسية والتوترات العاطفية المعسفة أو المضادة “الذوات الهووية”، داخل مسار توليدي جديد (البعد الانفعالي(، من خلال “أدوار باتيمية” (عاشق- غيو- بخيل-ناقم -حقود…) هي المقابل للأدوار التيمية الأخرى داخل الخطاب (مدرس/ حاكم). كل حديث عن الهوى – كما يذهب إلى ذلك المؤلفان غريماس وفونتاني، هو تقليص للفجوة الفاصلة بين “المعرفة والحس” فمثلا لا يمكن فصل علاقات هوى معين (حب، بخل، كذب) عن باقي البرنامج السردي، حيث تكونات وتجليات علاقاته مع موضوعه، ولتأطير المقاربة السيميائية إزاء الهوى يقول سعيد بنكراد في ترجمة سيميائيات الأهواء من حالات الأشياء إلى حالة النفس: “ذلك أن الأهمية الابستمولوجية والمنهجية التي تولى لتركيب الهووي قدرة على حمايتنا في الوقت ذاته من شاربيد – الصنافة من – سكيلا- اعتبار الهوى أساسا لكل دلالة: وهذا هو موطن الحد الأدنى الابستمولوجي الذي نحن في حاجة إليه.¹
كان الهاجس الأكبر الذي سعى إليه غريماس، لإعادة بناء الصدغ في نظريته السيميائية، وبوعي ألمعي، هو البرهان على أهمية العواطف/ الأهواء، في تحريك أحداث الحبكة في الخطاب الروائي، وهي عنصر -أي الأهواء- ما كان يكترث لها فيما سبق على الأقل في نظريته إذ محورها وبناها جلها حول العمل وخطواته، لكن من خلال هذه الدراسة وباللجوء لنظرية غريماس الأهوائية أكدنا على الداعي – الضرورة لوجود عنصر العاطفة في الرواية وما تطلع به من مكانة، من خلال دلائل التحولات الاجتماعية والنفسية، لاحظنا أن الشخصية تبعا لتأثري المحيط من حولها حين تنعكس على ذاتها فإنها لا تملك إلا أن تتقولب وتتغير بناء على ما تتلقاه، إذ إنها ليست كائنا جامدا- صلبا، أو كتلة نهائية التكوين ومعزولة، بل إنها في تحول دؤوب لا يستقر على شكل- حال، وهذا التحول إما أن يكون سلبيا أو إيجابيا.
يتشكل الهوى من خلال ثالث مستويات:
: -الاستهواء: هو القوة الانفعالية الكاملة التي يستند إليها خطاب الأهواء لرسم عوالمه…²
التوتير: يتكفل التوتير بحقل التوترات التي يندرج ضمنها الجسد، لذلك يتم الجمع بينهما في مقولة عامة يطلق عليها المؤلفان “غريماس و فونتاني” (توترية إستهوائية).
المصير/ المآل: يعتبر انتقالا من حالة إلى أخرى أو هو سلسلة من تغيرات الحالة.³
إن الإحساس لا يمكن أن يصبح مرئيا إلا من خلال تجزيئه وتحويله لوحدات للعزل والتميزي، فهي ما يطلق عليه في اللغة العادية (الهوى، الاستعداد، الشعور، الميل، الحب، الكراهية…).⁴
أما برنامج الأهواء السردي، فمن خلاله يمكن ملاحظة خطوات بناء العاطفة/ الهوى في الخطاب، على الرغم من أن عناصر البناء لا تخضع لترتيب قاعدي واضح، فكل عاطفة لها وحدتها التي تشكلها وتختلف لحظات ظهورها، وهذه الوحدات توجد بشكل قد يبدو عشوائي إلا أنه من خلال الخطاطة السردية وعقلانية العواطف التي ابتدعها فونتاني تبدو أكثر منطقية وأكثر انسجاما، لا سيما بعد جمعها في خاناتها التي تبدو ملائمة لها ومقنعة، فما يتوجب ملاحظة هو أن هذه الدلالات تبدو وكأنها تجذب كل ما ينتمي لاسمها، فيبدو الخطاب الروائي وكأنه يعاد تشكيله تبعا لهذه الدلالات التي تشبه إماءة الإصبع نحو ما يبدو إنفعاليا كامنا، كما في الدلالات الانفعالية أو ما يبدو موضوعا هوسيا كما في الدلالات التصورية، إذ أنها من خلال الدلالات المنظورية، تبحث بشكل عميق لدرجة تضعنا في محل الشخصية لاختيار مشاعرها، ولاستكناه ما يخفيه الموضوع المرغوب وما يملك من قيمة هائلة كي نتفهم الشخصية التي تعاني من أهوائها دون أن نحكم عليها بشكل ممتعض أو نصدر حكما أخلاقيا بحقها، وفي نهاية الدلالات بعد تجميع النصوص في خاناتها، نلاحظ المبرر الذي يجمع الذات مع الموضوع، إذ نرى الرغبة تبدو أمرا بديهيا وحتى ضروري، وهو ما سعى إليه غريماس وفونتاني، تتبع مسار الأهواء لمعرفة دورها ومن تم أهميتها في خلق الدلالة، لكنها برهنت على أكثر من ذلك وهو أن الهوى يستحوذ على الدور الأكبر في خلق العقدة وفكها وحلها في حبكة الرواية.
هذه الإجراءات أو الخطوات في عقلانية الأهواء والخطاطة الأهوائية، تبرهن على درجة إلحاح العاطفة في إبراز وجهها/ وجودها في الخطاب وهو أمر بديهي، ففي رواية ” نور الدين محقق” لاحظنا أن الهوى شكل الحبكة بأسرها لا سيما في الثنائية، إذ كان هوى المتنبي هو المتحكم في سير أحداث الرواية الذي يتبع بدوره هوى أخر، هوى كافور وهوى سيف الدولة، في سعيهم خلق السلطة، رأينا أن الخطاب الروائي بأكمله يتكئ على هذا الهوى ويعول عليه كي يمضي بأحداثه نحو النهاية.
أما الفضاء الأهوائي فيبين كيف أن الشخصية أحيانا تتعاطى مع الجمادات منقادة بعاطفتها، وتبين عوالم في مخيلتها وتراها واقعا لشدة صرامة العاطفة التي تسيرها حيث تلتقي الأمكنة التي ينظر إليها بمنظور عاطفي خالص بالدلالات الإيقاعية التي تجعل الشخصية الانفعالية تنظر إلى متعلقات الشخص المحبوب وكأنها الشخص ذاته حين يفيض الهوى ليحتوي الموضوع المرغوب وكل ما يتعلق به، كما رأينا إختلاف التكوين الزماني للحظات الشعورية وإختلافها من شخصية إلى أخرى، فهناك لحظات بدت ثقيلة، بطيئة وأحيانا شبه متعطلة، وهي لحظات مرض المتنبي بالحمى.
فالسيميائيات نظرا لإقحام ذاتها وبجدارة في حقول عديدة كان لابد لها في النهاية أن تدخل إلى مكون الذات حيث الحالات النفسية الشخصيات الروائية ولا تكتفي بتقطيع أفعالهم وصفاتهم إلى وحدات سردية، أحدها ذات أهمية قصوى والأخرى لا، بل تسعى إلى إيجاد المبرر وراء ما تفعل سواء كانت شخصيات محورية أم عابرة وذهبت إلى أبعد من ذلك من خلال برهنتها على الدور الجسيم الذي تضطلع به المشاعر حين تطغى حتى على الأشياء، فلاحظنا كيف تفرض المشاعر سطوتها قسرا على مختلف الأصعدة، كإدراك الشخصية ووعيها من حيث معايشتها للزمان، فلا يعود الأخير فيزيائيا طبيعيا، بل تحيله أي مشاعر إلى زمن نفيس يتلون ويتغير تبعا لتقلبات الشخصية الانفعالية وتبعا للحظة المعاشة ما إذ كانت مبهجة أم محزنة أم ثقيلة أو التأثير ذاته تمارسه المشاعر على الأمكنة وكيف تبدو مختلفة من شخصية إلى أخرى وفقا للرؤية النفسية، على الرغم من أنها الأمكنة ذاتها وما يتغير هو الحالة النفسية فحسب، مما يؤكد على أهمية وجسامة المكانة التي تحتلها المشاعر في إضفاء صبغة ذاتية على المحيط، صبغة آتية من مشاعر الشخصية ولا حيلة لكبتها أو مواراتها، فعلى ما يبدو أن الغلبة للمشاعر في تسيير الشخصيات.
بعد هذه المقاربة السيميائية الهووية لرواية ” ألواح المتنبي” نخلص إلى أن: الهوى سيميائيا سلسلة من الحالات الانفعالية التي تتطور خارج البعدين المعرفي والتداولي، بل إنه يشكل بعدا جديدا داخل المسار التوليدي، يطلق عليه غريماس وفونتاني” البعد الانفعالي.
دخول الأهواء للنظرية السيميائية، إعادة للنصوص الأدبية جماليتها المفقودة، إذ أصبح التعامل في إطار هذه النظرية ممكنا مع أرقى ما يتعلق بالإنسان، ألا وهو الإحساس والشعور والانفعال.
أصبح الحديث عن المعطيات المتعلقة بالأهواء متسما بالقوة نفسها، التي يتحدث فيها عن تلفظ الخطاب أو عن منطق سردي للخطاب، وأصبح الحديث عن الخطاطة الاستهوائية المقننة بنفس القوة التي يتحدث بها عن الخطاطة السردية.
يتجلى المحفل الاستهوائي على المستوى الكتابي في الرواية المحللة من خلال (الوصف، الاستلاجاع، الحوار)، التي توحي إلى دلالات عديدة مترابطة، تظهر مدى غنى النص بمختلف الأهواء.
تبدت الذات في الرواية على المستوى السردي في علاقته بالموضوع أثناء فعل الإنجاز متأثرة بالبعد الاستهوائي، وانتقالها إلى سيمياء الأهواء من ذات عاملة إلى ذات حالة إستهوائية.
ركزت سيمياء الأهواء على خطابات متنوعة معجمية، أدبية، سياسية، وإجتماعية، وأخلاقية، ذلك من أجل البحث عن المعنى وأثاره التفعيلية، والتعقيد لبنية الخطاب الاستهوائي.
هيمن صوت العاطفة من حب، كره، أنانية، سلطة، خوف… في هذه الرواية، إذ كانت هذه العاطفة محملة بعلامات سيميائية تستحق التنشيط بوصفها بياضات ينبغي ملؤها.
——————-
الهامش
¹ غريماس وفونتاني، سيميائيات الأهواء من حالات الأشياء إلى حالات النفس، ت: سعيد بنكراد، بريوت لبنان، دار الكتاب الجديد، المتحدة، ط1 ،2010،ص 10.
² المرجع السابق، ص31
³ المرجع نفسه، ص33
4سعيد بنكراد، سيميائيات النشأة والموضوع، مجلة “عالم الفكر”، رع 3 ،مج:35 ،1 يناير2007 ،ص:10