“رقصة الكَدرة”، أو الحضرة النسائية في الثقافة الحسانية

2

موضوع مداخلة ألقيت بمناسبة “مهرجان الحضرة النسائية وموسيقى الحال”في الصويرة

بحضور جمع من الفنانين والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي، وبمناسبة النسخة العاشرة لـ”مهرجان الحضرة النسائية وموسيقى الحال” الذي تنظمه جمعية الحضّارات الصويريات، أقيمت صباح يوم الجمعة 20 دجنبر 2025، مائدة مستديرة وذلكببيت الذاكرة تمحورت حول موضوع «المرأة في التجربة الصوفية»، أطرها الناقد الفني الدكتور عبد الله الشيخ وشارك فيها كل من الدكتور نور الدين دنياجي بورقة في موضوع “المرأة في التجربة الصوفية”، إلى جانب تقديم ديوان «التصوف والتشكيل» بالفرنسية للشاعرة والفنانة التشكيلية لبابة لعلج، مع قراءة مختارات منه باللغة العربية، قدمها المترجم والناقد الدكتور عبد الله الشيخ. كما استمتع الحاضرون بعروض موسيقية ممتعة أدتها فرقة الحضّارات بالصويرة تفاعل معها الحاضرون وضيوف المهرجان.

شهد اللقاء مداخلة بعنوان «الحضرة النسائية في الثقافة الحسانية: رقصة الݣدرة نموذجًا» للباحث والناقد إبراهيم الحَيْسن وتقديم الناقد والفنان شفيق الزكاري.
في ما يلي ورقة عن هذا الموضوع الذي قارب من خلاله الحَيْسنالحضرة بوصفها بنية أنثروبولوجية مركبة، حيث يتقاطع الجسد والطقس والذاكرة الجماعية، في علاقة جدلية تجعل من الحركة شكلاً من أشكال الذكر، ومن الإيقاع أداة لاستحضار الغياب وتكثيف الحضور الروحي.
تناولت هذه الورقة مجموعة من المكوّنات الثقافية والأنتروبولوجية والجمالية التي قامت عليها رقصة الكَدرة، منها الموطن والمناسبة والتحضير القبلي المرتبط باللعب وفضائه “الكَارة”، ثم الآلة الموسيقية الوحيدة في الرقصة “الكَدرة” والمؤدون من خلال لباسهم وأدوارهم، فضلا عن الراقصة بزينتها وردائها وحركاتها التعبيرية المتنوعة والتي تنطوي على دلالات سيميائية كثيرة ومتنوعة، وكذا الأنشاء والمقاطع الغنائية القصيرة المصاحبة لجولات الرقص.
في بداية الورقة، اعتبر الباحث الحَيْسن أن “رقصة الكدرة” من أشهر الفنون الإيقاعية التي تمارس بشكل شعبيبمنطقة وادي نونوتحديدا بمدينة كَلميم إلى جانب طاطا والمدن المجاورة وكذلك بالصحراء الشرقية لاسيما بمحاميد الغزلان.
فبهذه المناطق اشتهرت منذ القدم رقصة الكدرةوبرزت كشكل فني يلبي حاجة القبيلة إلى السَّمر ويستوعب تعابير غنائية وراقصة وشعرية وطقوسية مختلفة، حيث يمزق صوت الطبل سكون الليالي الصحراوية الدافئة، وتبرز البشائر لليلة ممتعة مضيافة..
مضيفاً بأنه يشيع عند الكثير منا أن رقصة الكدرة تستمد اسمها من طبل الإيقاع الذي ينقره فنان تعهد إليه هذه المهمة يسمى “النكّار” مستعملا قضيبين خشبيين رقيقين يُعرفان باسم “لمغازل”، يتمثل دوره في ضبط الإيقاع تدريجيا،قبل أن يقوم الحضور رجالا ونساء بالتوقيع باليدين وبالغناء،تلعبالراقصة جاثمة على ركبتيها..عيونهامسدلة تدخل في الإيقاع مستوعبة له ومجيبة بحركات الأيدي
وتمايل الرأس، وهي امرأة ملتحفة تخفي وجهها وتبرز يدين مخضبتين بالحناء..
يكون الرقص في هذه الرقصة من اختصاص الفتيات العازبات والنساء المطلقات (وفي حالات نادرة المتزوجات منهن، لكن دون أن يكشفن عن جوانب من أجسادهن) اللواتي تتكلف بإحضارهن وصيفة (خادم أو مْعلمة) بعد تهييئهن وتوصيتهن بعدم فتـح الأعين إلا وفق القدر اللازم الذي يمكنهن من رؤية ما بحولهن.. فضلا عن تحريكالأصابع انسجاما مع حركات الأذرع والتلويح بالضفائر وغير ذلك.
بذلك – يضيف الحَيْسن- يسهم اللعب بالأصابع واليد والعيون ونصف الجسد الأعلى في تحديد مهمة الراقصة التي هي في الظاهر دنيوية وتنفيسية، وفي العمق رمز للأنوثة والخصوبة. تقود الراقصةحركاتها الجسمانية حتى الإعياء التام (سواء تم ذلك بالفعل أم لم يتم حسب مقتضيات الحفل)، يجب على الإيقاع أن يكون قويا، به إلحاح ونبر والأصوات من الحناجر تقارب الصياح كلما قربت الراقصة من نهايتها.
هو هكذا الرقص في رقصة الكدرة: لغة متعددة الدلالات والمعاني وخطاب جسدي مرئي يقول ما لا يمكن أن ينطق به اللسان. وإضافة إلى ذلك، هو لغة كوريغرافية فصيحة ومعبرة تتكلمها كل أعضاء الجسد..
رافق المداخلة عرض شريطين سمعيين بصريين حول السمات التعبيرية والجمالية لرقصة الكَدرة مع توقيع كتاب “رقصة الكَدرة- الطقوس والجسد” من تأليف إبراهيم الحَيْسن وتقديم الباحث حسن نجمي والصادر عام 2017 ضمن منشورات المقام بمراكش.