حوار مع عبد اللطيف هسوف حول منجزه الروائي “منصور: مهاجر مغربي”

مع منصور يمكن أن نتبنى فكرة الإيطالي غرامشي “تشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة”

عن المطبعة الأورو متوسطية للمغرب بفاس، أصدر الدكتور عبداللطيفهسوف روايته الأولى تحت عنوان “منصور: مهاجر مغربي” في 240 صفحة. وعن الرواية يقول الصحافي الأستاذ مصطفى واعراب: “سرد ممتع لرحلة في الزمان والمكان يأخذنا فيها منصور، هناك وهنا عبر الوجوه والأحداث، إلى حيث يقوده مصيره. كتابة بصرية كلماتها صور ومشاهد وروائح وأصوات بأسلوب جديد سهل-ممتنع، يكشف من خلالها الدكتور عبد اللطيف هسوف الذي عهدناه مفكرا ومحللا سياسيا، عن براعته في فن الرواية”.

– بداية ماهي الأسس الجمالية والفكرية التي دفعت عبد اللطيف هسوف، الذي يجمع هويتين متساكنتين، هوية الأديب، وهوية الإعلامي، إلى كتابة نص أشبه بسيرة ذاتية؟

– الرواية هي عمل خيالي بالأساس مكتوب بلغة نثرية ذات طابع سردي. ورواية “منصور: مهاجر مغربي” هي نص إبداعي مركب يجمع بين الكتابة الروائية وصيغة السيرة الذاتية، أنجزها الكاتب عن حياته الشخصية مازجا في ذلك بين الذاكرة والخيال. وإن كانت الكتابات تتنوع وتتمايز وتختلف من حيث المحفزات والأهداف، فالرواية السيرية تتناول الواقع، أو لنقل جوهر الإنسان انطلاقا من عوالم متداخلة تقابل بين الأنا والآخر. الرواية هي بالأساس تعبير سوسيولوجي، ثقافي، تأريخي. نعم، نجد في هذه الرواية تداخل الأجناس الكتابية، فالكاتب له تكوين مركب وله اهتمامات متعددة التخصصات، لذا قد تتداخل في هذا النص تقنيات الكتابة الإعلامية والأدبية مع استحضار محطات تاريخية وسياسية.

– نرى ونحن نطالع الرواية في جزئيها، إن صح التعبير الداخلي، المتعلق بالمدن المغربية، والخارجي، المدن الفرنسية والأمريكية، هذا الاستدعاء الكثيف لمورفولوجية المدينة، وارتباطها بشخوص الرواية. ما الغاية منه جماليا وأدبيا، أم أن تقنية السرد لدى هسوف تنجذب إلى الأمكنة والفضاءات على اختلاف وظائفها؟

الأفكار في الرواية لا تأتي من العدم، ولا تنسج كلها من الخيال.. الأفكار تأتي من أماكن مختلفة في أزمنة متداخلة، وما بالك حين يتعلق الأمر ببطل الرواية “منصور” المزداد بمدينة كازابلانكا ثم يختار في بداية ثلاثينيات عمره الترحال عبر مدن أوربية وأمريكية. الرواية هي سفر مع منصور من كازابلانكا إلى باريس والعودة عبر الجنوب الإسباني، ثم إلى نيويورك وفرجينيا وكاليفورنيا بأمريكا.. في رحلة سجلها حافل، بحثا عن شيء لا يعرفه هو نفسه مسبقا، لكنه كان متسلحا بحب المغامرة. ستبدأ رحلة معاناة صامتة دامت ربع قرن أحس فيها منصور في البداية بأنه يعيش الاغتراب في بلده، الإحساس بالعنصرية بفرنسا، ثم الإحساس بأنه منبوذ من الحلم الأمريكي.. الرواية قد تكون إعادة لاكتشاف الأماكن.

– ألا ترى معي أن “منصور” بطل الرواية يتماهى روحا مع مصطفى سعيد بطل رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، أم ان الوقائع تتشابه، وإن اعتمد هو سيرة غيرية، بطلها إنسان شغوف بالغرب.

– “موسم الهجرة إلى الشمال” كانت من بين الروايات الرائدة في صنف الرحلة المعاصرة أو الرواية السيرية التي تدور أحداثها في المهجر. لكن لا أظن أن رواية الطيب صالح وقفت حاجزا أمام تطور هذا الصنف من الروايات. وبالتالي، فإن رواية “منصور” لها مسارها وتوجهها الخاص ولا تحاكي بأي شكل من الأشكال أي من الروايات التي سبقتها لا على مستوى المبنى ولا المحتوى. “منصور” حالة مغربية / عالمية. واللحظات الأبرز في رواية “منصور” هي لحظات التصادم مع العالم، مع الآخر. مع منصور يمكن أن نتبنى فكرة الإيطالي غرامشي “تشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة”، مع تغليب التفاؤل على اليأس. هي رحلة عاش فيها منصور حياة المنفى، المنفى البدني، والفكري، والثقافي، في المجتمعين الفرنسي والأمريكي. معركة منصور لم تكن سهلة في ديار الغربة، كانت معركة ضارية بلا هوادة ودون انقطاع. التجارب والصراعات وخيبات الأمل والإهانات، نادراً ما كانت انتصارات كاملة أو أفراح مكتملة. ومع ذلك، كان بحاجة إلى التواصل مع الآخر خوفًا من الغرق في الإقصاء أو الملل. انكسارات تبدد فكرة جنة عدن حيث يتم إعطاء كل شيء دون جهد؛ لكن، وفي الوقت نفسه، فإن هذا التواجد في ثنايا الغربة يعزز صورة بلدان حيث كل شيء ممكن إذا كان لديك قوة الإرادة وكثير من الصبر.

– هل هناك أي روايات أخرى ستأتي بعد “منصور: مهاجر مغربي”؟

– أنا أصدرت حديثا رواية ثانية تحت عنوان “منصور: مُرﱠ السياسة.. وجع الكتابة”. ولربما سأمضي في نفس التوجه في روايات قادمة يأخذنا من خلالها منصور إلى جذوره في جبال الأطلس، وكذا الحديث عن إشكالية العودة إلى الوطن الأم.

– نعم أنا اطلعت على رواية “منصور: مُرﱠ السياسة.. وجع الكتابة”، وهي تعد صرخة لرجل تعليم من جهة، ومن جهة أخرى رصد لوقائع وأحداث شهدها مغرب بداية الثمانينات، إلى درجة ان الراوي في هذا الجزء امتهن حرفة المؤرخ الذي يرى الأمور بعيون موضوعية، ويسردها بأشهى التفاصيل. ماهي الحكمة في ذلك؟

– يبحث منصور عن الهويات الضائعة في بلاد المهجر، لكنه أيضا يرصد للتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية في البلد الأم. في منصف الثمانينيات انتقل منصور للدراسة في الرباط العاصمة، وكانت فرصة للتعرف على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم) بجميع فصائله من قاعديين ويساريين وإسلاميين. ثم بعد ذلك امتهن التعليم والصحافة وانخرط في العمل النقابي، وبعدها في العمل الحزبي في مدينة الدارالبيضاء. كل هذه التجارب جعلت منصور يلم بالأحداث السياسية التي واكبها من منتصف الثمانينات إلى نهاية التسعينات قبل أن يهاجر. الرواية هي نظرة للحياة، لكنها أيضا قد تكون فضح للاعتلالات داخل المجتمع، محاولة للتصدي للانحرافات، هي حتما إرادة للتغيير. وفي إطار امتهان التعليم، نجد الأستاذ منصور يعايش مجموعة من الأحداث السياسية عن قرب، مثل انتشار المد الإسلامي، انطلاق الإصلاحات السياسية والديمقراطية بعد إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإشراك أحزاب اليسار في تدبير الشأن السياسي للبلاد. بل وينخرط منصور في العمل السياسي، معتبرا هذا التحول نقلة نوعية من مستوى الحياة الروتينية إلى التفكير في المسببات والتوجهات والأهداف.. إلا أن التهافت على المصالح، والخروقات، والتجاوزات، والتناقضات، في صفوف المناضلين، والتزكيات المشبوهة لبعض المترشحين سيؤدي به إلى التنبؤ بانهزام حزبه وفقدان هيبته. كما شارك منصور أيضا في العمل الصحفي الذي بدوره لم يسلم من الزيف، والفبركة، والنفاق الاجتماعي، والسياسي، وخدمة كل ذي سلطة.
تتناول رواية “مَنْصورْ: مُرّ السياسة.. وَجَع الكتابة” أيضا موضوعا جديدا يتمثل في رواية منصور لتجاربه في الحياة مع التركيز على مرحلة تبلور وتطور فعل الكتابة لديه. وما الكتابة إلا نتيجة لفعل القراءة، لذا كان منصور في هذا الفعل يحاور كتابا من مشارب مختلفة (مغاربيون، فركفونيون، زنوج، أمريكيون، وآخرون)، مما يجعلنا نجزم بالموسوعية التي طبعت شخصية منصور والتعدد القرائي لديه، كما، ونوعا، ولغة، وفي مجالات مختلفة.

================
الدكتور عبد اللطيف هسوف
حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة والدن (Walden University) – مايو 2014– منيا بوليس / مينيسوتا – الولايات المتحدة الأمريكية. تخصص: السياسات العمومية والإدارة.
حاصل كذلك على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون (The Sorbonne University) – المدرسة العليا للمترجمين والمترجمين الفوريين (ESIT) – يناير 2004– باريس / فرنسا. تخصص: اللسانيات التطبيقية والترجمة.
أصدر كتاب “جاك بريل: حياته وفلسفته” عن مطبعة اتفاق – الدارالبيضاء – المغرب – سنة 2003..
أصدر كتاب “الأمازيغ: قصة شعب”، دارالساقي – بيروت – لبنان – غشت 2016.
أصدر رواية “منصور: مهاجر مغربي”، المطبعة الأورو متوسطية للمغرب، فاس، مارس 2022.
أصدر رواية “منصور: مُرﱠ السياسة.. وجع الكتابة”،المطبعة الأورو متوسطية للمغرب، فاس، ماي 2022.
أصدر كتاب “المملكة المغربية – ثنائية السلطة والدين / قراءة تاريخية-تحليلية”، المطبعة الأورو متوسطية للمغرب، فاس، غشت 2022.