الهدم والبناء في ديوان “كي لا تبكي” للشاعر المغربي عدنان مشهي

64e09937-6fe0-4ec0-9e1a-140d543802cd

بقلم : أحمد الناموسي كاتب وشاعر

قضت الحياة أن يكون للإنسان حاجة ملحة تجعله يحس بوجوده داخل هدا الفضاء المتسع ولعل الحاجة إلى الشعر ضرورة فرضها تكوين الإنسان فمند العصر الجاهلي والقبائل العربية تفتخر بالشاعر وتعتبره الناطق الرسمي لهم فهو بطلها في السلم والحرب ,فرغم الانشغالات الإنسانية التي فرضتها الحياة يظل الإنسان بداخله صوت شعري يعبر عن ما يخالج جوانيته.
إن جوهر التحدي الذي يرافق الإنسان منذ الأزل هو الكتابة والتأريخ عن طبيعة العلاقة بينه وبين الأشياء المحيطة به ، مند بزوغ فجر الإنسانية فالعلاقة القائمة بين أمور عدة هي علاقة اكتشاف للحقائق ودائما الإنسان يسعى بشتى الطرق .
صدر للشاعر المغربي عدنان مشهي ديوان شعر بعنوان “كي لاتبكي” وللشاعر اصدارات ،منها :لعيدك كل الاغاني 2016
يحضر عنوان كتاب «كي لا تبكي» لعدنان مشهي، كما يقدّمه الغلاف بتشكيل بصري قوي يتداخل فيه سواد الوجع مع حرارة اللون، ليؤكّد منذ البداية تلك الحركة المستمرة نحو المعنى. فالمعنى لا يُستعاد من الماضي ولا يُختزن في ذاكرة الأشياء، بل يُخلق في اللحظة ويتوجّه دومًا إلى المستقبل، كذلك يبدو العنوان دعوة إلى تجاوز الألم لا لاستعادته، وإلى تحويل البكاء من حالة انكسار إلى طاقة مقاومة.
إن الصورة المموّهة على الغلاف، بملامحها غير الواضحة، تشبه ما وصفه النص من كون الشعر لا يعكس الواقع كمرآة، بل يعيد خلقه؛ فهي لا تقدّم وجهًا جاهزًا، بل تفتح احتمالات لمعانٍ جديدة. وهكذا يتقاطع الكتاب مع الرؤية النقدية حين يجعل من الكتابة فعلًا للتحرّر من الخسارات، ومحاولة دائمة لاتباع “ريح المعنى” حيث تقود، كي لا يستسلم الإنسان لثقل الماضي، وكي… لا يبكي.
تمتزج في قول الشاعر:
“لي ..
من الدمع..
ما يكفي ..
ليغرق ..
بسمة ..
واحدة..
تطل من الأفق .”
“ولي ..
من الحزن
ما يكفي..
ليبعثر..
بقايا فرحة..
عنيدة ..
غارقة في دمي”
تجربةُ الألم بالأمل، في صورة تُشبه تمامًا الحالة الوجودية التي يستحضرها كتاب «كي لا تبكي». فالشاعر لا ينفي الدمع ولا يتجاوز الحزن، بل يجعلهما جزءًا من رحلته نحو معنى جديد، كأنهما الطريق الذي يجب أن يعبره ليبلغ تلك “البسمة الواحدة” القادمة من الأفق.
هنا يتحول الدمع من علامة انكسار إلى طاقة بحث، ويتحوّل الحزن من ثقلٍ يُطفئ الروح إلى حركة تبعثر ما تبقى من الفرح، لتُعيد بناءه من جديد. إنّ هذه الحالة تُجسّد ما جاء في المقتطفات النقدية من أنّ المعنى لا يعيش في الماضي ولا يكتمل، بل يتشكل من داخل الجرح، ويتقدم نحو المستقبل بخطوات مقاومة… كي لا نبكي.
الانفلات والوجود :
يقول الشاعر:
“أيها الوقت
الساري
في حباب الورد
كيف أفتق
سر حكاياك
وأنا على نخلة
أفكاري تستولي الغربان؟”
“من يشفق
على دمعاتي
هذا المساء؟
لا سواد اليراع
ولا بياض الورق.”

” تسكنني
خفافيش
الحلم السائبة..”

يتجلّى صراع الشاعر مع زمنٍ يمرّ بنعومة الورد بينما يمرّ داخله بثقل الخراب. فهو يقف عند حدود الحكاية غير قادر على فتح أسرارها، لأن «غربانًا» رمزية تستولي على نخلة أفكاره، فتنهش صفاءها وتحجب نضجها. وفي لحظة الانكسار المسائي، يبحث عن من يشفق على دمعاته، فلا يجد في الكتابة ملجأ؛ لا سواد القلم ولا بياض الورق قادران على تهدئته، إذ تتناسل أحلامه مثل «خفافيش سائبة»، مضطربة، مظلمة، تلاحقه بدل أن تمنحه الخلاص. هكذا يتجسد الشاعر بين فقدان المعنى والرغبة في الإمساك به، بين الحلم الذي ينفلت والكتابة التي تعجز عن تضميد الجراح.
يظهر الانفلات في المقطع لأن الشاعر يعيش لحظة فقدان عميقة للسيطرة على ذاته وعلى معنى الحكاية التي يحاول كشفها. فالوقت يمرّ بنعومة
“في حباب الورد”، بينما أفكاره تُنهشها الغربان، فيتشكّل داخله شعور بأن كل ما يريد الإمساك به يتبعثر وينفلت من بين يديه. لا القلم ولا الورق قادران على احتوائه، إذ تتحوّل أحلامه إلى “خفافيش سائبة” تتصادم في العتمة بدل أن تمنحه الضوء. وهكذا يصبح الانفلات تعبيرًا عن حالة وجودية يتأرجح فيها الشاعر بين رغبة في الحضور وإثبات الوجود، وبين قوّة داخلية مظلمة تدفعه نحو التشتت والضياع، فيغدو المساء لحظة انكشاف هشاشته وعمق غربته.
ومن أمثلة الانفلات والوجود في المقطع :
الوجود:
يمثّله حضور الشاعر وسط الزمن، وسط الورق، وسط الحكايات:
‘أيها الوقت
الساري
في حباب الورد…”
“سر حكاياك”..”نخلة أفكاري” هذه الصور تشير إلى البحث عن معنى، ومحاولة للإقامة داخل لحظة أو داخل فكرة.
الانفلات :
يقابله صور التمزّق والضياع وفقدان السيطرة: “تستولي الغربان”..”من يشفق على دمعاتي؟”
“لا سواد اليراع ولا بياض الورق…”..”خفافيش الحلم السائبة”
لماذا الانفلات؟
الانفلات في المقطع ليس صدفة، بل هو عنصر أساسي لفهم الحالة الشعورية والفكرية التي يعيشها الشاعر. ويمكن تفسيره كالتالي :
الشاعر يعيش فقدان السيطرة على المعنى
ثم أن الزمن يمرّ ولا ينتظر أحدًا..

الهدم والبناء في ديوان “كي لا تبكي ” :

يبني الشاعر عدنان مشهي ديوانه على ثنائية الهدم والبناء بوصفهما آليتين أساسيتين لتجسيد تجربته. فالاعتراف بعقم السهر وانهيار دور الليل في منحه السكون يمثّل هدمًا لآخر مصادر الطمأنينة، كما يهدم الشاعر قدرته على الاحتمال حين يقدّم ضيقه بوصفه ثقلًا يكفي العالم كلّه، ويهدم معنى الحب بتحويله إلى قوة يائسة تُرهق الأحياء والأموات. ومع هذا الهدم، ينهض بناء آخر أكثر خفاءً، يتمثل في وعي جديد بالألم، وفي صدق اعترافي يؤسّس لعلاقة أعمق بالذات. وهكذا تصبح نهاية الديوان مساحة يتقاطع فيها الانهيار مع الكشف، حيث يُهدم وهم السكينة ليُبنى فهمٌ أكثر نقاءً لمأساة الشاعر.
الهدم البناء :

“كيف أفتق
سر حكاياك؟”
«وأنا
على نخلة
أفكاري
تستولي الغربان”

“لا سواد اليراع
ولا بياض الورق”

“خفافيش الحلم السائبة”

البناء موجود لكنه بناء معنوي وليس بناءً حسيًا وبتجلى في :
بناء وعي جديد بالألم
بناء علاقة بصوت الذات
ترتقي تجربة الشاعر عدنان مشهي حضورا رمزيا مفتوحا على تجارب حيث تنفلت التجربة من المباشر إلى ماهو أعمق ففي ديوانه تحقق القصيدة حضورا رمزيا غير عادي فالشاعر يفجر نهايات لا يشعر بها القارئ وتحقق داخله صدمة غير متوقعة .
إن الشاعر توغل في أسرار الكتابة عبر امتداد صفحات متعددة داخل المتخيل الشعري فيعمل تارة على مواجهة المأساة تارة ومرات كثيرة على مواجهة فائض المعنى الدقيق الذي تحكمه القصيدة ,وعمل المبدع على استعمال لغة قوية موحية تزخر بالاستعارات وتنبش عن هوية الأشياء داخل القصيدة .
يكتب عدنان مشهي عن حياة توقظ فينا روحا خيالية حيث يمتزج التأمل مع الحلم والزمان مع المكان في سمفونية شعرية تنبني على إيحاءات متعددة ؛وداخل هذا الاحتفال الشعري نجد حياة الشاعر ورؤيته للعالم حيث كل شيء ممكن وحيث تفيض القصيدة بتجارب موغلة فيما هو إنساني ؛فنجد حضورا مكثفا للشاعر وعلاقتها بالمجهول ؛ونجد أيضا شجن الفلسفة بكل ماتحمله من معنى ، حيث تناول ديوانه وأصر على الحفر داخل تجربة منفتحة على عوالم متعددة ؛حيث أنصت مشهي للغة عبر مضايق تاريخية تعبر عن الجمال الشعري في قصيدته نحويا ؛وتركيبيا وإيقاعيا.