الكاتب والناقد الجمالي اميل ارونا يقدم قراءات لنقاد مغاربة وأجانب تناولوا تجربة الفنان التشكيلي حسن بوهيا
الأصوات التي نظرت إلى أعمال حسن بوهيا
— *محمد أديب السلاوي*
حين تلتقي العين بعمل يرفض أن يُسمّى بسهولة
ينتمي لقاء محمد أديب السلاوي إلى ذلك النوع الخاص من الأحداث التي لا تتكشف دلالتها بالضرورة في اللحظة التي تقع فيها. فقد تم هذا اللقاء سنة 2012، في مرحلة كانت فيها تخطيطات حسن بوحيا قد بدأت بالفعل، من خلال تكرارها وتنوعها، في تشكيل مجال تشكيلي خاص بها؛ مجال لا يقوم على برنامج نظري مُعدّ سلفاً، ولا على رغبة معلنة في الانتماء إلى مدرسة محددة. وما كان يُعرض أمام العين آنذاك كان عملاً يتكوّن من تلقاء نفسه، من خلال إصرار الحركة، والتحول التدريجي للأشكال، والعلاقة الخاصة بين الخط واللون.
وقد التقى محمد أديب السلاوي، وهو كاتب ومتابع للإبداع ورجل اعتاد أن ينظر إلى الأعمال الفنية فيما يتجاوز مظهرها الأول، بهذا العالم الذي لا يكشف عن نفسه بسهولة. فالخط عند بوهيا لا يؤدي وظيفة المحيط البسيط للشكل فحسب؛ إنه يقطع، ويربط، ويعبر، ويحتوي، ويحرر في الوقت نفسه. وقد يمنح الشكل بنيته المعمارية، مع إبقائه في حالة من عدم اليقين. فالعين تكاد تتعرف على حضور نباتي أو عضوي أو معماري، ولكن في اللحظة التي يبدو فيها التعرف وكأنه استقر، تنتقل البنية التشكيلية إلى مكان آخر.
ولعل في هذا التذبذب إحدى الخصائص العميقة لهذه الأعمال. فهي لا تسعى بالضرورة إلى إلغاء الواقع، وإنما يبدو أنها تمرره عبر تنظيم آخر. فقد تذكّر هيئة ما بورقة أو زهرة أو بنية أو جسم أو مادة في طور النمو، دون أن تصبح تمثيلاً لأي واحد من هذه الأشياء. يحتفظ التخطيط بشيء من العالم المرئي، لكنه يتحرر منه في الوقت نفسه. إنه يوجد في ذلك المجال الدقيق الذي يصبح فيه التشابه مجرد منطلق، وحيث يستطيع خيال المتلقي أن يبدأ عمله الخاص.
ويلعب اللون دوراً أساسياً في هذا التحول. فالأخضر والأصفر والأحمر والبرتقالي والبنفسجي والأزرق لا تأتي فقط لملء مساحات محددة مسبقاً، بل تشارك في ظهورها ذاته. إنها تمنح الأشكال كثافتها وحرارتها، وأحياناً خفتها، ولكنها تمنحها قبل كل شيء حركتها الداخلية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الثراء اللوني، يظل الخط الأسود حاضراً بقوة. فهو يفرض نوعاً من الهيكل البصري الذي يمنع اللون من التشتت، ويحافظ على العمل في حالة دائمة من التوتر بين الحرية والبناء.
وهذا التوتر ليس بعيداً عن التكوين الأول لحسن بوهيا. فالمهندس والرسام يبدوان متعايشين داخل هذه الأعمال دون أن يحاول أحدهما السيطرة على الآخر. صرامة البنية لا تمنع الحركة من الاحتفاظ بعفويتها؛ وبالمقابل، فإن عفوية الحركة لا تهدم أبداً تنظيم الفضاء بصورة كاملة. ومن هنا تنشأ كتابة تشكيلية تتجاور فيها البنية والحدس، فتتعارضان أحياناً وتنسجمان أحياناً أخرى، كأنهما ضرورتان تنتميان إلى بحث واحد.
لكن هنا تحديداً تكتسب نظرة محمد أديب السلاوي أهميتها في تاريخ الأصوات التي أحاطت بعمل بوهيا. فبعد نظرات بنحمزة، ودانيال كوتورييه، وفريديريك بايتينغر، ود. أحمد رفعت، يأتي هذا الحضور ليقدم طريقة أخرى في الاقتراب من العمل: ليس فقط باعتباره سلسلة من الأشكال، بل باعتباره تعبيراً عن مسار تشكل بعيداً عن الأطر المعتادة لمنح الشرعية الفنية. فلم يدخل بوهيا عالم الفن عبر الطريق المؤسساتي التقليدي. لم يبدأ برغبة في أن يصبح فناناً ثم يبحث بعد ذلك عن لغته؛ بل بدأ أولاً بإنتاج التخطيطات، ثم أخذ سؤال طبيعتها الفنية يفرض نفسه تدريجياً.
وهذا التمييز أساسي. فهو يساعد على فهم سبب بقاء العمل عصياً على الحصر في تعريف واحد. فهو ليس تصويرياً بالمعنى البسيط، وليس تجريدياً بمعنى القطيعة المطلقة مع العالم المرئي. وليس أيضاً ترجمة لنظرية مسبقة. إنه يبدو وكأنه يتقدم من خلال التجربة والتكرار والاكتشاف والتحول. وكل تخطيط يبدو وكأنه يستعيد شيئاً من سابقه، وفي الوقت نفسه يفتح إمكانية جديدة. وهكذا تتشكل، في صمت تقريباً، لغة لم تُكتب قواعدها مسبقاً.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل نظرة محمد أديب السلاوي تحتل مكانها الخاص بين الأصوات الخمسة. فالمسألة ليست فقط معرفة ما الذي رآه الكاتب في بعض الأوراق أو بعض التركيبات؛ بل فهم ما الذي يعنيه، بالنسبة إلى عمل كان لا يزال في طور التشكل، أن يلتقي بنظرة خارجية قادرة على التعامل معه بوصفه ظاهرة فنية تستحق الانتباه. فالنظر النقدي لا يصنع العمل؛ لكنه قد يكشف أحياناً لصاحبه أن ما يفعله بصورة شبه غريزية يحتوي على انسجام لم يكن قد صاغه بعد بالكلمات.
وتظهر تخطيطات هذه المرحلة، من هذا المنظور، ككائنات في تحول دائم. تبدو وكأنها تولد من الخط، وتنمو بواسطة اللون، ثم تعود إلى الخط باعتباره ذاكرة أولى. فيها شيء نباتي دون أن تكون نباتات، وشيء معماري دون أن تصبح عمارة، وشيء تصويري دون أن تخضع للتصوير. وربما يكون موضوعها الحقيقي أقل ارتباطاً بما تمثله، وأكثر ارتباطاً بالانتقال من شكل إلى شكل آخر.
ومن هذا المنظور، يكتسب لقاء محمد أديب السلاوي قيمة خاصة داخل مجموع الأصوات الخمسة. فهو لا يغلق فقط سلسلة من النظرات، بل يمثل مرحلة في الوعي التدريجي بلغة تشكيلية يبدو أنها كانت، منذ بداياتها، تبحث عن طريقها الخاص. وربما يكمن هنا أكثر تناقضات حسن بوهيا خصوبة: فكلما بدا عمله اليوم أكثر امتلاكاً لهوية يمكن التعرف إليها، بقي السؤال مفتوحاً حول المصدر الحقيقي الذي جاءت منه هذه الهوية.
فاللغة الفنية الحقيقية لا تولد دائماً من قرار واعٍ. قد تظهر ببطء، دون أن يدرك صاحبها نفسه أنها تتشكل. وعندها ينتهي الزمن والتكرار واليد والتردد والحوادث والاكتشافات إلى الكشف عما ربما لم تكن الإرادة وحدها قادرة على اختراعه.
وهكذا ينتمي محمد أديب السلاوي إلى هذه القصة، لا بوصفه من منح أعمال حسن بوهيا تعريفاً نهائياً، وإنما بوصفه واحداً ممن ساهمت نظرتهم في جعل سؤال معين مرئياً: عندما يواصل إنسان رسم التخطيطات سنوات طويلة دون أن يعرف تماماً إلى أين تقوده حركته، في أي لحظة تصبح هذه الحركة لغة؟ وفي أي لحظة تصبح هذه اللغة عملاً فنياً؟.
الأصوات التي نظرت إلى أعمال حسن بوهيا*
-فريديريك بايتينغر
“المشاهد البيضاء”
بعد عبد الرحمن بنحمزة، الصوت الأول في مسارنا، ثم دانيال كوتورييه، الذي جعل من الخط قوة مستقلة وموسيقية في العمل، نصل الآن إلى اللقاء الثالث: فريديريك بايتينغر.
إن نظرته تقودنا إلى منطقة أخرى.
فلسنا هنا بصدد البحث لديه عن نظرية جديدة تفسّر أعمال حسن بوهيا، وإنما نحاول أن نستعيد ما رآه بالفعل: فضاءات مفتوحة، وأشكالاً لا تسمح بأن تُسمّى تسمية نهائية، وخطاً يتحرك في أرجاء السطح، وقبل كل شيء تلك المساحة التي يتركها العمل مفتوحة أمام عين المشاهد.
—
فريديريك بايتينغر: أن ننظر إلى العمل من دون أن نغلقه
في مسار الأصوات التي رافقت أعمال حسن بوهيا، يحتل لقاء فريديريك بايتينغر مكانة خاصة.
فقد اتجهت نظرته إلى عمل كان لا يزال في طور التكوّن.
ولذلك فهو لم يكتشف اللوحة المكتملة فحسب، بل عاين أيضاً تحوّلاتها، وما يبدو كأنه تردّدات، وتوازناتها المتعاقبة، والطريقة الخاصة التي يتشكّل بها الـ«تراسيه» شيئاً فشيئاً.
إن اللوح الخشبي، بمقاس 100 × 100 سم، والمهيأ بخلفية بيضاء متشققة، يصبح عندئذ مجالاً لحوار حقيقي بين المادة والخط واللون.
في البداية، تمتد الخطوط البنية فوق السطح. تتقاطع، وتبتعد، ثم تعود، وتفتح ممرات بينها. ولا يبدو أن شيئاً قد استقر نهائياً بعد.
ثم يأتي اللون.
يدخل الأصفر والأحمر ليمنحا البنية القائمة نفساً آخر. لكنهما لا يأتيان لمحو الخط، بل يندمجان في حركته.
وهنا بالذات تتجلى خصوصية اللوحة: فالبنية تظل حاضرة، لكنها تظل مفتوحة.

مشاهد بيضاء، جاهزة لأن تُملأ بالماء
من بين كلمات فريديريك بايتينغر عن أعمال حسن بوهيا، تستحق هذه العبارة أن تظل في قلب شهادتنا:
“إن أعمال حسن بوهيا تترك للمشاهد مشاهد بيضاء، جاهزة لأن تُملأ بالماء”.
إن هذه العبارة لافتة لأنها لا تحاول أن تشرح اللوحة بدلاً من المشاهد.
بل إنها، على العكس، تعترف بانفتاحها.
قد يظهر شكل ما، ويوحي بشيء، ثم يفلت من التسمية. وقد يبدو أن خطاً ما يقود نحو هيئة معينة، قبل أن ينحرف فجأة إلى اتجاه آخر. وقد يوحي سطح ملون بحضور ما، من دون أن يتحول أبداً إلى تمثيل محدد.
وهكذا تظل اللوحة متاحة.
إنها لا تقول للعين: «هذا هو ما ينبغي أن تراه.»
بل تقول لها بالأحرى: «انظر، ودع ما يمكن أن يولد في داخلك يظهر.»
وربما لهذا السبب يستطيع العمل أن يُرى مرات عديدة، من دون أن تستنفده قراءة أولى.
ولادة الـ”تراسيه”
إن الصور الأربع التي تحتفظ بها ذاكرتنا اليوم لمراحل إنجاز هذا العمل تمنح هذا اللقاء بُعداً خاصاً.
فهي تكشف لنا ما لم تعد اللوحة المكتملة تُظهره: عملية التكوّن.
في المرحلة الأولى، يحتل التشقق مساحة واسعة من السطح. ويبدأ الخط البني في تنظيم المجال من دون أن يملأه بعد.
ثم تأتي التدخلات المتتالية.
تزداد كثافة الخط. تتشكل هيئات جديدة. تظهر التقاطعات. تكتسب بعض المناطق وزناً أكبر، بينما تظل مناطق أخرى أكثر اتساعاً وانفتاحاً.
وأخيراً يدخل اللون في هذه البنية.
يمنح الأصفر ضوءاً داخلياً، بينما يضيف الأحمر كثافة ودفئاً. ومع ذلك يواصل الخط حركته في كل مكان، وكأنه يرفض أن يصبح أسيراً للأشكال التي ساهم هو نفسه في إنشائها.
وهنا تحديداً تصبح اللوحة أكثر إثارة للاهتمام: فهي لا تبدو وكأنها تنتقل من الفوضى إلى النظام، بل من حالة بحث إلى حالة توازن.

“الخط الموسيقي”
لقد تحدث فريديريك بايتينغر أيضاً عن «الخط الموسيقي».
وهذا التعبير يلتقي، بطريقة خاصة جداً، مع ما أدركه دانيال كوتورييه من قبل في أعمال حسن بوحية، لكنه يفعل ذلك من زاوية مختلفة.
فالموسيقى هنا ليست في صوت ممثَّل.
إنها في إيقاع الحركة.
خط يتقدم.
وآخر يتقاطع معه.
منحنى يبطئ الحركة.
زاوية تحدث انقطاعاً.
ثم يستأنف مسار جديد حركة العين.
وهكذا تنتقل العين فوق السطح كما تتبع الأذن جملة موسيقية.
ومع ذلك، لا نرى أي نوتة موسيقية معدّة مسبقاً.
إن الموسيقى تولد من العلاقة بين العناصر.
ولهذا يمكن النظر إلى الخط عند حسن بوهيا، لا باعتباره حدوداً أو رسماً فحسب، بل باعتباره قوة للحركة والعبور.
نظرة إميل أرونا
أستاذ ومؤلف وناقد فني
يمنحنا فريديريك بايتينغر هنا كلمة أساسية، لأنها تلامس إحدى المفارقات الجوهرية في أعمال حسن بوهيا.
فكلما بدا الـ«تراسيه» أكثر بناءً وتنظيماً، ازداد المجال الذي يتركه للحرية.
وكلما حضرت الخطوط بقوة، قلّ فرضها لقراءة واحدة.
وكلما أكد اللون حضوره، احتفظت الخلفية بصمتها.
لذلك لا تطلب هذه اللوحة من المشاهد أن يحل لغزاً.
إنها تطلب منه أن يبقى أمامها.
إن «المشاهد البيضاء» التي يتحدث عنها بايتينغر ليست فراغات خالية. إنها فضاءات لم يصادرها الفنان.
وهذا تمييز مهم.
فالفنان يبني العمل، لكنه لا يمتلك جميع المعاني التي يمكن أن ينتجها.
وهنا يصبح المشاهد، لا مجرد مفسر ملزم للعمل، بل محاوراً له.
وربما هنا تحديداً يكتسب «الخط الموسيقي» عمقه الكامل: فهو لا يحكي بالضرورة شيئاً محدداً، بل يضع شيئاً ما في حالة حركة.
صوت ثالث في المسار
وهكذا تضيف لنا كلمة فريديريك بايتينغر، بعد بنحمزة وكوتورييه، انفتاحاً جديداً في مسارنا.
فقد تعرّف بنحمزة في العمل على بناء تشكيلي يمكن أن تلتقي فيه الهندسة والحركة والإيماءة.
أما كوتورييه، فقد وجّه اهتمامه إلى الخط باعتباره لغة مستقلة وموسيقية.
بينما يذكّرنا بايتينغر ببُعد آخر: العمل بوصفه فضاءً يتركه الفنان لنظر الآخر.
ثلاث نظرات مختلفة.
وثلاث حساسيات.
لكن حقيقة واحدة تظل في المركز:
إن خط حسن بوهيا ليس مجرد خط.
إنه يبني.
ويعبر.
وينظم الإيقاع.
ويوحي.
وفوق ذلك كله، يترك مكاناً.
وربما يكون هذا المكان -ذلك الذي يبقى بعد إتمام الفنان لحركته- هو ما أدركه فريديريك بايتينغر بأعمق صورة، عندما تحدث عن “مشاهد بيضاء، جاهزة لأن تُملأ بالماء”.
