القباج وبطومي يتقاسمان “بصر وبصيرة” في رواق “فن الملهمة” بالدار البيضاء
تجربتهما الصباغية تندرج ضمن التجريدية وشبه التشخيصية
افتتح برواق “فن الملهمة” بالدار البيضاء، أخيرا، معرض ثنائي لكل من الفنانين التشكيليين، عبد السلام القباج، وعبد المالك بطومي.
واختار التشكيليان عنوانا دالا لمعرضهما، الذي يستمر إلى غاية 31 يوليوز الجاري “بصر وبصيرة”. ويندرج المعرض ضمن الحركية الثقافية والفنية، منسجما مع الحساسية الجديدة، التي باتت تفرض وجودها على الساحة التشكيلية في المغرب. ويعبر الفنانان من خلال هذا الحدث الفني عن مشاعرهما وعواطفهما ويستلهمان تجربتيهما من المدرسة التجريدية وشبه التشخيصية، ويكثفان الألوان الزاهية والترميز بواسطة الأشكال والخطوط القوية والعفوية تبعا لمنهجية الفن الحديث والمعاصر.
وقال التشكيلي القباح، وصاحب رواق “فن الملهمة” في تصريح صحافي إنه فضل أن تكون أعماله المعروضة مختلفة، وأنه اختار مجموعة من اللوحات ذات المنزع البين تشخيصي والبين التجريدي، مشيرا إلى أن أعماله تتميز بأسلوب ذاتي يستقي من الانطباعية التي يدرجها ضمن الحداثة التي تحتفي بالرموز والحروفية معا.
من جهة أخرى أفاد القباج، أنه يشتغل على تيمة المشاهد الطبيعية في تجلياتها الخامة، إذ يمتح من عناصرها مثل أغصان الشجر وجذورها التي توحي له بالخط العربي ويدمجه ضمن تمثلات فنية بأسلوب حداثي لا واقعي معتمد على الخيال.
على المستوى النقدي سلط الناقد الفرنسي، ألان مارك، الضوء على أعمال الفنان التشكيلي المخضرم، عبد السلام القباج، في مقال يحمل عنوان” عبد السلام القباج في أعين الآخرين”، وكتب مارك أن “الأعمال الأولى للفنان التشكيلي القباج تعكس ذكرياته الطفولية، وجاءت محترمة للفضاء والوقت، وهي انعكاس حقيقي لطفولته بمدينته الأصلية، حيث يتحدث القباج عبر لغته البصرية عن الفضاء المفقود، ويمنحنا عبر قماشاته مفاتيح البحث عن هذه الأحلام الصغيرة والكبيرة التي توارت مع الزمن”. ويضيف الناقد الجمالي الفرنسي مارك، أن البحث عن هذا الزمن المفقود متوار خلف الأشكال والألوان وفي ذاكرة أطفال الجديدة، حيث تفوق القباج في انتاجها بصريا قابضا على أجمل لحظات الحياة. ويضيف أن القباج يبرز ألوانا قريبة إلى وجدانه منها الأزرق الذي هو لون سماء الجديدة، والأخضر الذي يحيل على قاع بحرها، إلى جانب الأحمر الممزوج بالأصفر وهو لون جدران المدينة القديمة، والأبيض والأسود لونا الخيالات. وخلص الناقد الفرنسي إلى أن القباج فنان يقبض على اللحظات الهاربة بكل أحاسيسه ورؤاه الجمالية وألوانه التي تحيا في القماشة وتسكنها.
في حين يعد عبد المالك بطومي أحد الوجوه الفنية في المغرب كثيرة الحضور والمشاركات في المعارض الفنية.
وقال بطومي في تصريحه إن أعماله الفنية في المعرض الثنائي الذي جمعه رفقة عبد السلام القباج، تستلهم أفقها الصباغي من تيمة “العماء الفني”، مشيرا إلى أن أزيد من 15 لوحة بمواضيع مختلفة، زاوجت بين شبه التشخيصية والتجريدية.

وبخصوص مقتربه الفني قال الناقد والشاعر بوجمعة أشفري، إن ” الفنان التشكيلي عبد المالك بطومي، يشتغل على مجموعة من الأسندة الكلاسيكية، منها القماش، والورق، والكارطون، وما يتير في تجربته أنه مهووس بالأشكال الهندسية، مثل المثلث والمربع والمستطيل، وتميزت تجربته أيضا بالاشتغال على التنصيبات”.
وقال الناقد الجمالي حسن مقداد، في شهادة حول أعمال بطومي الصباغية، إنه يركز في أعماله التصويرية على الدائرة، باعتبارها عنصرا أساسيا في منجزه التشكيلي، وهذا الاختيار لم يأت صدفة، لكنه عبر أعمال وأبحاث طويلة، استخدم فيها الشكل، والصورة، والحجم، والمساحة والضوء. وأضاف مقداد أن الفنان يعد من بين الفنانين الذين رسخوا وجودهم الفعلي داخل الساحة المغربية، واعتبر طريقته في الرسم بأنها نوع من أنواع ملء الفراغات الهندسية كالمستطيل ومتوازي الأضلاع والشكل الهرمي. في لوحاته تنسجم الألوان ما يعطي الانطباع ان الفنان استطاع ان يترجم أحاسيسه بما يدور حوله. وأبرز مقداد أن الخط المستقيم في اللوحة دلالة على التوحد وعزلة الروح عن محيطها الاجتماعي.

عبد المالك بطومي إنسان بسيط، يستنشق هواء الحرية قبل كل شيء، يبحث عن أدق التقنيات، ويمنح لأعماله جمالا أخاذا من الأشكال وانسجام الألوان، بطومي خارق في صدقية العمل الفني، ويطمح إلى أن يتابع تلك التبديلات والتغيرات في المشهد الواحد، مما أكسب أعماله زخما تقنيا ومعرفيا. الفنان الأكاديمي يلتقط النور والظل في المشهد، فلم يكن النور نورا محصورا في قيم الرسم، بقدر ما يعبر عن حالة خاصة في بثه بين العناصر ليشع بنعومة تشبه نعومة الناسك، وتداعيات النفس المتوحدة مع عناصر اللوحة، أعمال توجز فعل الصنعة ودقة الموضوع وحمولته الفكرية، وتقدم شعاع اللون والأشكال بقيم كريستالية تعبر عن مدى تمكن الفنان من تقنياته ومعرفته الدقيقة بفيزياء الألوان والأشكال.
في المعرض الثنائي الذي حمل عنوان “بصر وبصيرة” يمكن اعتبار لوحات المعرض، التي ناهزت 32 لوحة، نصوصا إبداعية مليئة بالرموز والعلامات الخصبة، وهي علامات تزهر بفيض من الرؤى، والمعاني الرائعة، وتعطيها تفسيرات كثيرة، تنبع من أشكالها وألوانها وملامحها وأحجامها وعوالمها، التي تميز كل لوحة على حدة.
أعمال تشكيلية ولدت من رحم أحاسيس تنبض بالحياة، وبعمق الإنسان، وروح المجتمع، في أزهى التجليات الوجدانية.
