السياق التنموي في ديوان “كي لا تبكي ” للشاعر المغربي عدنان مشهي

4382768b-d759-4d36-a382-a26660b8ebaa

إن الروح الإنسانية حياة من داخل الإنسان، وهي تعبير حقيقي على المفهوم العام للأسلوب الحياتي الذي يُمارس في الواقع النفسي والفكري والروحي، وكل له منهج في إدراك الأشياء وتحليلها وربطها بسياقها، ولهذا أجد أن الفكر الإبداعي وليد ذلك الشعور بالحياة بين الأسطر وخصوصا فيما يتعلق الأمر بالشعر فهو كما قال الشاعر عدنان مشهي “..ذلك الضجيج الأخرس الذي يفيض من عمق اللاوجود/ وهو بركان الذات الذي ينفجر من الداخل إلى الخارج..”
ولهذا ارتأيت في هذا المقام أن أربط ديوان الشاعر عدنان مشهي “كي لا تبكي” بسياقه التنموي الذاتي، فعندما قرأته وتأملت في روحه الشاعرية تبين لي وبكل جرأة أن هذا الديوان هو عين تسري في روح الوصال النفسي، رقيقة هي الكلمات التي تبعثر صمتا يركن داخل الإنسان، شعور يرتوي منه كل تائه في عالم الأحلام، عطر يستشم من سؤال الكلام.
وأنت تقرأه تستشعر نبرة الحزن العميق الذي يؤلمك، وكأنه يحدثك ويجتر منك شتاتك، أو بعبارة أدق هيبة تنطق من فيض الكلمات، ولعل القارئ سيجد فيه من العبر والمثل السامية التي ترفع قدر الإنسان وهو جالس في مكانه، لأنه أعطانا مجموعة من النصائح المبثوثة في مفهوم الكلم وليس في منطوقه ، والقائمة على الصبر والثبات والتصالح مع الذات وربط الفكرة ببعضها…
نجح شاعرنا في أن يعبر عن كنه روحه بلغة شاعرية غنية وممتعة، حيث قال:
“وفراشات الشوق
تستهويني ..
أستهويها..
كي ألقى الريح..” ص16
يبعث هنا الأمل في روح القارئ ويجتر الأمل من نبع الفراشات كي يصطاد الطريق، وهنا أطرح سؤال
كيف للفراشات أن تستهويني؟
يرد الشاعر في ديوانه قائلا:
“ريح الأحلام
البيضاء
تلك التي
تجر جوادي..” ص17
ينقلنا هنا الشاعر إلى عالم الإلتزام بروح المكان، ويقصد به هنا القلب الذي ينكسر فوقه الحلم البعيد ويسائل نفسه.
“هل لي كيان حقا؟
هل لي كيان؟..” ص25
وكأنه يربطه بحلمه الصغير الغير المحقق فلا سبيل سوى مطاردة ” أيائل الحياة ” حيث يقول الشاعر
” أناوحدي
أطارد
أيائل
الحياة
حتى لا تطاردني “ص 27
جميلة تلك العبارات التي تعبر عن الشوق الحائل في كنه الإنسان، والرغبة في بعث حياة جديدة بعيدة عن ألم الزمان وبعثرة المكان، يقول الشاعر :
“ولا أرى..
في صفحات عمري ” ص22
يقلب الشاعر صفحات عمره بروح باهتة ترقع جو المكان، وفي كيانه خيبة أمل ساقتها تجارب الحياة القاسية، وفي روح الشاعر سناء تلتهمه عبارات الكلم الغافل، ويعبر قائلا:
“أحزاني المجترة
من نافذة الزمن ” ص30
ساقنا الشاعر هنا إلى الحياة المنادية بهفوة، وكأنها تعبر بجفوة، وتحيل إلى الفهم الأسمى بقفوة، تذكرني كلماته بكل رغبة في قلب ماعت يأبي الاستسلام، وبغياب أحلامه تجتر الأحزان، لكن أين الخلاص؟
يجيب الشاعر قائلا:
“كي لا تبكي”
كلمة لخصت تفاصيل صغيرة ودقيقة تربط الروح بالفؤاد، “كي لا تبكي” يطمئننا بأسلوبه الراقي المتين إلى أن الحياة روح ينبغي أن نعيشها، عبارات دافئة ألهمتني الحياة من جوف الكلمة، خيال ربطني بعالم يأبى الحزن والبكاء، سلام تحيا به الأماني وتبهج اللحظات.
وينقلنا الشاعر هنا إلى سياق المحبة في قوله
“عش لحظتك” ص34
تتجاذب الكلمات في التعبير عن عمق العمق، جلب الشاعر عمقا ينضوي على تصالح الإنسان مع ذاته، يستشعر الإنسان كل لحظة يعيشها بحزنها وبفرحها، بحسنها وبقبحها، بخيرها وبشرها، وهنا كان الشاعر ذكيا جدا في توطيد علاقة الإنسان مع نفسه في إطار السيكولوجية التي تؤثر على الروح المعنوية للأفراد.
يقول الشاعر
“أيها اللقاء الفريد” ص48
اعتبر لقاءه مع نفسه لقاء فريدا، وكأنه ابتعد حتى أحس أن اقترابه جرأة، يشاركنا هنا الشاعر بصمة الأمل التي عالجت كنه الفؤاد من سباتات البقاء على وضع الوعود الزهيقة…
ومن هنا أقول بأن الشاعر عدنان مشهي كان ذكيا في جعل الإنسان في قالب المعنى الذي يريد إيصاله، وكان كذلك راقيا في انتقاء كلماته وعباراته الشعرية وكأنه يضع المتلقي في قالب ذاته ويروي الروح بنسمات الأمل والبقاء.