الحجاج في شعر المتنبي – نهيلة العربي

2c17d5ed-1e12-4847-8d3f-e6a6dd888fc5

يحفل شعر المتنبي بتقنيات الحجاج الأسلوبية والبلاغية، ذلك أنه كان يضمن شعره تقنيات حجاجية عديدة،نذكر منها- للتمثيل لا للحصر- “أسلوب التمثيل”[1]، الذي يحمل طاقة حجاجية كبرى، يقول عنه عبد القاهر الجرجاني:” واعلم أن مما أتفق العقلاء عليه، أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني…كساها أبهة، ورفع من أقدارها وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها،واستثار لها من أقاصي الأفئدة وكلفا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا.

فإن كان مدحا، كان أبهى وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف، وأسرع للإلف، وأجلب للفرح،…وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلى ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل”[2].

ولا نكاد نجد قصيدة أو قطعة للمتنبي تخلو من التمثيل، فقد كان يوظفه بكثرة، ذلك أنه مطلع على الفلسفة والمنطق…

وغيرها من العلوم العقلية[3]، ثم إن المتنبي ترك إشارات قيمة(حكما) عن الحجاج، وإن كانت قليلة متناثرة هنا وهناك في شعره، لا تنظيم في نسق موحد، وإطار نظري منظم، إلا أنها مهمة جدا، توضح بأن صاحبها يعرف طرق المحاججة، ويسلك سبلها، نذكر من هذه الإشارات مثلا للتمثيل:

وليس يصح في الأفهام شيء// إذا احتاج النهار إلى دليل.

أما لاميته التي تعد واحدة من السيفيات،فقد اخترناها لكونها نصا حجاجيا بامتياز، فهي تنهض على دعوى رئيسية هي دفاع الشاعر عن رأيه في رسائل ملك الروم ورسوله، وفخره بذاته التي تتعالى عن كل الذوات.

ولتضمنها أيضا أساليب بلاغية متعددة تحمل طاقات حجاجية، سنكشف عنها في الفصل الإجرائي.

يستقي الشعر حجاجه ويشيده من خلال مقوماته الجمالية، التي تضفي عليه سحرا يؤثر في النفوس، ويدفعها إلى الإذعان لما لا ترضاه، فقوة البيان تستطيع أن تجعل السليم سقيما، والسقيم سليما.

فللبيان الشعري قوة  في جعل الأصول فروعا، والفروع أصولا، وخرق الإجماع ونقضه، يقول عبد القاهر  الجرجاني موضحا :” فقد عرفت قضية الأصنام وما عليه أصحابها من الافتنان بها والإعظام لها، كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور ويشكله من البدع، ويوقعه في النفوس من المعاني التي يتوهم بها الجماد الصامت في صورة الحي الناطق، والموات الأخرس، في قضية الفصيح المعرب والمبين المميز، والمعدوم المفقود في حكم الموجود المشاهد…حتى يكتسب الدني رفعة والغامض القدر نباهة، وعلى العكس يغض من شرف الشريف، ويطأ من قد ذي العزة المنيف، ويظلم الفضل ويتهضمه.

ويخدش وجه الجمال ويتخونه، ويعطي الشبهة سلطان الحجة، ويرد الحجة إلى صيغة الشبهة، ويصنع من المادة الخسيسة بدعا تغلو في القيمة وتعلو، ويفعل من قلب الجواهر وتبديل الطبائع ما ترى به الكيمياء وقد صحت، ودعوى الإكسير وقد وضحت، إلا أنها روحانية تتلبس بالأوهام والأفهام دون الأجسام والأجرام”.[4]

عناصر خطاب شعر المتنبي:

يتمثل الخطاب في قصيدة أبي الطيب التي مطلعها:

دروع لملك الروم هذي الرسائل// يرد بها عن نفسه ويشاغل.

وهي تقع في ثلاثة وأربعين بيتا من الشعر العمودي.

الباث/ المتكلم/ المخاطب: يتمثل في الشاعر أبي الطيب المتنبي.

المستمع/ المخاطب: يتمثل المخاطب العيني المباشر في سيف الدولة الحمداني ويتجلى ذلك في المقطع الأول من القصيدة، والمخاطب غير المباشر يتمثل في الشاعرين؛ ابن نباتة الفارقي والنامي، كما أن كل قارئ لهذه القصيدة يعد مخاطبا.

حجاجية البدء والختم لعهد المتنبي:

نقصد بالبدء البيت الأول من القصيدة:

دروع لملك الروم هذي الرسائل// يرد بها عن نفسه ويشاغل.

ويسمى أيضا: الأول، المطلع، الافتتاح، الاستهلال، ونقصد بالختم البيت الأخير من القصيدة.

ومن لم تعلمه لك الذل نفسه// من الناس طرا علمته المناصل.

ويسمى أيضا: الإنتهاء، براعة الختم، خاتمة الكلام.

يحمل هذان العنصران طاقات حجاجية قوية، ذلك “أن حسن الافتتاح داعية الانشراح، ومطية النجاح،… وخاتمة الكلام أبقى في السمع، وألصق بالنفس، لقرب العهد بها، فإن حسنت حسن، وإن قبحت قبح”[5]، وهما- البدء والختم- من المواضع التي ينبغي على الشاعر أن يتأنق فيها، ويحسن سبكها. يقول الخطيب القزويني:” ينبغي للمتكلم أن يتأنق في ثلاثة مواضع من كلامه، حتى تكون أعذب لفظا، وأحسن سبكا، وأصح معنى.

الأول: الابتداء، لأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان كما ذكرنا أقبل السامع على الكلام، فوعى جميعه، وإن كان بخلاف ذلك أعرض عنه ورفضه، وإن كان في غاية الحسن…وأحسن الابتداءات ما ناسب المقصود، ويسمى براعة الاستهلال.

الثاني: التخلص…والثالث الانتهاء، لأنه أخر ما يعييه السمع، ويرتسم في النفس، فإن كان مختارا كما وصفنا جبر ما عساه وقع فيما قبله من التقصير، وإن كان غير مختار كان بخلاف ذلك، وربما أنسى محاسن ما قبله”[6].

يخرق الخطاب الشعري مستويات اللغة التركيبية والصرفية والدلالية، ليؤسس نظامه الخاص به، الذي يتميز به عن غيره من الخطب، فالشعراء يجوز لهم في الكلام ما لا يجوز لغيرهم، يصرفونه متى شاؤوا، فهم لا ينصاعون لقواعد اللغة الكامنة في أنظمة النحاة واللغويين، ولا يتبعون غيرهم في القول يحتذون به، بل هم من يحتذى به.

—————————————-

[1]نقصد بالتمثيل هنا ضربا من التشبيه، اصطلح عليه في البلاغة المدرسية التشبيه الضمني.

[2]عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص ١١٥،١١٦.

[3]ينظر في هذا الصدد إلى كتاب أبو الطيب المتنبي وماله وما عليه، للثعالبي، ففيه ذكر لتأثر المتنبي بالمناظرة والفلاسفة واتباع لطرقهم.

[4]عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص٣٥٣.

[5]ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وأدابه، ج١، ص٢١٧.

[6]الخطيب القزويني، الايضاح في علوم البلاغة، ص ٣٢٢،٣٢٦.