التهامي الحراق يرصد في رمضانيات “بوك كلوب لوماتان” الروحي والجمالي في السياق المعرفي والعرفاني بين الصوفية
من خلال كتاب “أدر ذكر من أهوى.. مصاحبات عرفانية”
في مكان له دلالة خاصة يجمع بين زخارف التراث المغربي، في شكله المعماري، والأجواء الروحانية في هذا الشهر المبارك، تواصلت بفضاء مقر جهة الدارالبيضاء-سطات، فعاليات رمضانيات نادي الكتاب “لوماتان”، بلقاء ثالث من تنشيط الأديب منتصر حمادة، الذي قارب مدارات العلامة الصوفي سيدي محمد التهامي الحراق.في البداية رحب علي علوي الصوصي، عن نادي الكتاب لمجموعة “لوماتان”، بالضيفين الكريمين وبالحضور النوعي، مثمنا اللقاءات السابقة من رمضانيات “لوماتان”، كما وجه الشكر لولاية الدارالبيضاء، وجمعية “روتاري كازابلانكا أطلنتيك”، وكل الساهرين على اللقاءات التي تجدد مسارها مع أهل الفكر والثقافة، مشيرا إلى أن لقاءات “نادي الكتاب لوماتان” الرمضانية، التي تتيح الفرصة للتعمق في عالم الروحانيات، تستضيف أحد أعلام الطريقة الحراقية، الباحث الأكاديمي والمنشد الصوفي محمد التهامي الحراق، لتقديم كتابه “أدر ذكر من أهوى..مصاحبات عرفانية” رغبة منه في إنارة عقولنا ببعض ما ينقذنا من مخالب أزمة المعنى في سياقنا المعاصر.
وقبل أن يقدم المفكر والباحث منتصر حمادة ضيف الليلة، الأديب الأريب والباحث في مجال التصوف، محمد اتهامي الحراق، وجه منتصر الشكر لكل الداعمين لهذه اللقاءات الفكرية، في مقدمتهم المؤسسة الإعلامية الرائدة مجموعة “لوماتان”، إلى جانب كل الساهرين على إنجاح هذه اللقاءات الرمضانية التي تغوص في عوالم الثقافة الصوفية من خلال حضور شخصيات لها وزنها المعرفي والفكري لتقاسم لحظات المتعة الفكرية، افتتح منتصر اللقاء على مدارات العلامة الحراق من خلال مجموعة من الكتب، التي تنوع خطابها.
وقال منتصر إن التهامي الحراق ينتصر في عوالمه المعرفية والعلمية للأفق النظري الثالث، وهو ملمح من ملامح التصوف العقلاني غير المتشنج، وبخصوص هذا المد الفكري للباحث الحراق، الذي أعطى نظرة جامعة حول التصوف، حيث قال إننا نسجل في العقود الأخيرة هذه الطفرة في الإصغاء للنصوص الصوفية، وبروز معجم صوفي بل أحيانا ذهبنا يقول الحراق، في التعامل مع الاحتفاء بكل ما هو صوفي إلى درجة أصبحت تلتبس مفاهيم التصوف.
وأوضح الحراق في مداخلته التي شدت انتباه الحضور أن تاريخ المغرب يبرز فيه العنصر الصوفي من خلال الزوايا والأضرحة، ففي كل مدينة أزيد من ضريح واحد، إلى جانب أن أسماء بعض المدن المغربية استمدت أسماءها من أسماء الصالحين مثل سيدي قاسم والقائمة طويلة…

ويندرج كتاب “أدر ذكر من أهوى.. مصاحبات عرفانية”، الصادر حديثا عن “دار أبي رقراق” في الرباط في “خانة الأفق العرفاني الذي يشتغل عليه الحراق، وهو ما يتبدى في هذا العمل منذ عنوانه المقتبس من بيت لسلطان العاشقين عمر ابن الفارض، يقول فيه:
أدر ذكر من أهوى ولو بملامي …. فإن أحاديث الحبيب مدامي.
وينقسم الكتاب إلى فصلين الأول بعنوان “مصاحبات أعلام”، ويتناول فيه بالتعريف أربعة وعشرين علما ووليا من كبار أعلام التصوف الإسلامي، خصوصا منهم المغاربة، جامعا في هذا التناول بين التعريف والترجمة الوجيزين لهؤلاء الأعلام، وبين التأمل في أحوالهم من خلال استحضار نماذج من إشراقات فتوحهم في أقوالهم.
فيما يتناول الفصل الثاني المعنون بـ “مصاحبات كلام”، أربعة وعشرين بابا من أبواب الدلالة والمعاني الذوقية في كلام القوم و”أشعارهم”، خصوصا منها تلك المتداولة في حلق الذكر ومجالس السماع بالمغرب.
وخلال هذا الفصل يضيء المؤلف جملة من الأبعاد الدلالية المخصوصة في كلام القوم، مبرزا أصولها، ومستنطقا آفاقها، ومبينا خصائص حضورها الروحي والجمالي في السياق المعرفي والعرفاني بين الصوفية.
بلغة ثملى بالدمغة الروحانية يقول الحراق “هذه أوراق تجاور ذائقين، وتحاور أذواقا. إنها مسطورات تقترب من أحوال العارفين وكلامهم، تصحبهم تأملا في سيرهم وسيرهم، وتصاحب نصوصهم تبللا بمعارفهم ومعارجهم، تنصت بأذن الفؤاد لنبضات خلواتهم وهم يديرون ذكر من يحبون، ويشربون من مدامة هذا الحبيب ما به يترقون في معارج محبته ومعرفته. هي أوراق تلتقط دقائق مستلة من مجرى زمن المسافات، وتسقي القارئ من مدام أحاديثهم عن الحبيب رشفات، تقتطف من بستان ما رقموه بصلاحهم وعرفانهم بعض القطوف والتجليات، فتصغي لمواجيدهم، وتسافر معهم في ترقياتهم، علها تستقي من بحر معرفتهم بالله قطراتٍ، أو تقتبس من كلامهم القريب العهد من ربه كلماتٍ ليست كالكلمات”.
ولم يفت الحراق بيان بعض مقاصد هذا الكتاب في السياق الراهن، حيث أبرز أنه كتب هذه النصوص “رغبة في أن تسهم إشراقاتها في إنارة عقولنا ببعض ما ينقذنا من مخالب أزمة المعنى في سياقنا المعاصر، وشغفا في أن تفتح في بصائرنا آفاقا مغمورة للتأمل والسفر والتساؤل واستمداد المعنى واستلهام الأسرار، أسرار حديث الحبيب في أعالي الصمت، أسرار ميثاق “ألست بربكم” في أقصى البداية، تلك الأسرار التي يمعن الإنسان المعاصر في نسيانها، فيما يحتاج إلى ذكرها وتذكرها أكثر من أي وقتٍ مضى، أسرار ما يفتأ يتجدد عطشنا الأنطلوجي إليها، وتغري القول بملاحقة بوارقها وشوارقها، وإن كانت من جنس ما يذاق ولا يحيط به القول، أو قل من جنس ما يهمس به ولا ينقال، “وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا” (طه،108).
يشار إلى أن اللقاء اختتم بوصلة في فن الإنشاد الصوفي سافرت بعشاق هذا الفن الموسيقي العريق في تجربة روحية فريدة.
