اختتام الدورة العشرين لربيع المغرب التشكيلي الشبابي المستمر بأكادير
تتويجات بشعار” ثقافة الفنون التشكيلية والبصرية: دعامة أساسية لتفعيل الحياة المدرسية وتهذيب ذوق مواطن الغد”
بمبادرة من جمعية أكادير للفنون التشكيلية وتحت إشراف الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة سوس ماسة وبدعم من مجلس مدينة أكادير وبشراكة مع الجامعة الدولية لأكادير “أونيفيرسيا بوليس” اختتمت، أخيرا، الدورة العشرين لربيع المغرب التشكيلي الشبابي المستمر بأكادير.
وجمعت فعاليات الحدث الثقافي والفني، الذي اتخذ شعار” ثقافة الفنون التشكيلية والبصرية: دعامة أساسية لتفعيل الحياة المدرسية وتهذيب ذوق مواطن الغد”، صفوة من المبدعين التشكيليين والنقاد الفنيين والجامعيين من خلفيات معرفية مختلفة حول برنامج غني ومتنوع. فبموازاة مع برنامج النسخة الحالية، افتتح معرض فني تعليمي بيداغوجي، حيث تحاورت أعمال الطلاب مع نماذج من أعمال الفنانين المحترفين في إطار المبادرة التضامنية “قلب فنان”، وجرى تخصيص جناح خاص لأعمال أعضاء نادي الأطفال والشباب للفنون التشكيلية.
وتضمن برنامج هذه الدورة، أيضا، عرض مقطع فيديو يقدم لمحة موجزة عن مسار الجمعية على مدى 29 عاما من الإبداع التشكيلي الملتزم في المغرب. كما تم تأطير ورشة عمل تفاعلية للتوعية الفنية من طرف المحاضر الفني لالترانج من إسبانيا.
وتميزت النسخة العشرون بتقديم شهادات تقديرية للمشاركين الذين استفادوا من مرحلة التكوين في مجال الفنون الغرافيكية إلى جانب إطلاق مسابقتين، الأولى تتعلق بالأعمال المعروضة ببهو قاعة العروض ابراهيم الراضي الخاصة بفن التصميم المعماري وإنجاز الماكيت، والثانية مخصصة لإعداد وتقديم روبورتاج عن فعاليات المهرجان ووقائعه، لفائدة هواة الصحافة المتمدرسين.
ومن أغنى فقرات البرنامج أيضا استضافة الجامعة الدولية لأكادير “أونيفيرسيا بوليس” ليوم دراسي حول موضوع ” الملتقيات والتظاهرات الفنية: أية مساهمة في التنمية المجتمعية والسياحة الثقافية؟”، حيث ركزت الجلسة الأولى التي سيرها الدكتور عبد الله الشيخ على المحاور الموضوعاتية الآتية: بيداغوجيا التقاسم، رتابة أم إبداعية؟ (مداخلة للمحاضر الإسباني لالترانج)، ودور الفن التشكيلي في التنشيط الثقافي للمواقع والمدن السياحية (مداخلة الدكتور ابراهيم مدود)، والفعل الجمعوي التشكيلي: مبادرات تربوية وتنموية وتضامنية (مداخلة الأستاذ البشير شعشاعي).
حول بيداغوجيا التقاسم، يقول الباحث الإسباني لالترانج:
“ملكة التقاسم لا علاقة لها بالرتابة، بل لها علاقة بالإبداعية التي تستلزم تشغيل كل الحواس الفكرية والوجدانية وتوظيفها. تبدأ حلقة التقاسم من الإنصات واستبعاد المشاكل، والإقدام على إنجاز البرامج الثقافية والفنية المندمجة. في هذا الإطار، نعتزم إقامة معرض مشترك بين فنانين من الضفة المغربية ونظرائهم من الضفة الإسبانية (تحديدا من برشلونة وضواحيها) … الأعمال التي ستعرض تعكس منظومة القيم الإنسانية المؤكدة من قبيل التضامن والأخوة والسلام والوئام والحرية والتسامح والحقيقة الملازمة للواقع… هذا هو جوهر هذه التظاهرة المشتركة القائمة على حوار الثقافات والحضارات”.
في ما يتعلق بدور الفن التشكيلي في التنشيط الثقافي للمواقع والمدن السياحية، صرح الدكتور ابراهيم مدود:
“إن الفن التشكيلي جزء من النشاط الثقافي ويخص كل المجتمعات البشرية بما فيها مجتمع ما قبل التاريخ. فالفن يجب أن يصقل منذ الصغر، سواء كان هواية أو احترافا، وهو يلعب دورا كبيرا في التنمية السياحية. إن الوجهات السياحية يجب أن تكتسي هوية ثقافية، كما أن الفن التشكيلي يجب أن يرقى إلى مستوى إعطاء شعاع لبعض المرافق والمواقع الثقافية بعيدا عن النزعات الموسمية. على الفن أن يكون دعامة للبنيات التربوية والثقافية من خلال النهوض بالأدوار الترويجية والتثمينية، فهو لقاء الأحاسيس المرهفة والأذواق الرفيعة مع التركيز على الوظيفة الاستشفائية: مدينة أكادير مثلا مجال للتعافي بمقوماتها الطبيعية خاصة من خلال أجوائها الشمسية ومواقعها السياحية الروحية.
فالمدينة في حاجة ماسة إلى إظهار مهاراتها الثقافية ومؤهلاتها المجالية. السياحة لا تتناقض مع الثقافة، بل هما متكاملان ولا يجب اختزالهما في معطيات جزئية. فالسياحة والثقافة وجهان لعملة واحدة عبر ممارسات التجوال والاستقصاء والاستكشاف. كل مدار سياحي ينعم بحمولته الثقافية التي تشبع العين والعقل معا. يرى الباحث رولان ٱربين بأن هناك علاقة أخوية وطيدة بين السياحة وتطوير الثقافة كإحدى غايات الوجود. فهما يعكسان روح الفضاءات المكانية، والطقوس الاحتفالية، والتجارب الفردية والجماعية”.
وتميزت الجلسة الثانية التي أدارها الدكتور إبراهيم مدود بالقضايا التالية:
دور المعارض التشكيلية في صقل المواهب الشابة: جمعية أكادير للفنون التشكيلية أنموذجا (مداخلة الأستاذ سعيد موزون)، والتظاهرات التشكيلية: الاستدامة والاستمرارية والتوقف (مداخلة الأستاذ محمد سعود) والتظاهرات الفنية ورهانات السياحة الثقافية (مداخلة الدكتور عبد الله الشيخ).
عن واقع التظاهرات التشكيلية وتحدياتها، يقول الناقد محمد سعود:
” كثرت المعارض الفنية وتعددت في مختلف مدن العالم، وأصبحت لكثرتها ظاهرة يلفها الكثير من الغموض وتطرح حولها الكثير من التساؤلات لخروجها عن الأهداف الفنية المتوخاة منها وإكسابها طابعا سياحيا محضا، مما جعل الإقبال عليها قليلا وبالتالي عدم قدرتها على الاستمرارية. إلا أن هذه المعارض رغم ما يصاحبها من انتقادات وإخفاقات أحيانا تعتبر ظاهرة صحية لما ستخلقه من تراكم ستستفيد منه الأجيال القادمة في الاطلاع على وضع الفن التشكيلي انطلاقا من الكتالوغات أو الحوامل الرقمية التي تقوم باستنساخها الجمعيات التي تشرف على تنظيمها.
كما يحق لنا أن نتساءل عن مدى صمود هذه المعارض على قلتها أمام التحولات الرقمية وظهور الذكاء الاصطناعي في العرض خاصة مع ما نراه في الكثير من البلدان اليوم”.
من جهته، قارب الدكتور عبد الله الشيخ قضية التظاهرات الفنية ورهانات السياحة الثقافية، مؤكدا ما نصه:
“حان الوقت لكي يفكر كل المسؤولين المعنيين في إعداد استراتيجية عامة بتنسيق مع مختلف الشركاء والفاعلين لتعزيز الرباط القائم بين الثقافة والسياحة. فالمغرب المعاصر أصبح أرضية مثالية للمهرجانات والمواقع التاريخية والتراثية، واللقاءات الفنية والإبداعية الوازنة… فهناك رهانات بنيوية لإشراك الطاقات الشابة والفئات المعوزة لممارسة حق انتمائها إلى هذه الأرضية النموذجية، والمساهمة بالتالي في الارتقاء بها. تأخذ بعين الاعتبار هذه الاستراتيجية التنموية العدالة المجالية والإدماج الترابي المتوازن للسياحة الثقافية، نظرا لكون أبرز المؤهلات الطبيعية والثروات الرمزية ما زالت في الظل ولم يتم استثمارها بشكل أمثل في العرض السياحي الوطني. من هنا حتمية إعداد دليل حصري لهذه المؤهلات والثروات والعمل على ترويجها عبر مختلف الأنشطة المجالية على الصعيدين الوطني والدولي، مضيفا يجب تنزيل مخطط استعجالي لدعم كل الملتقيات والتظاهرات التي تتبنى في برامجها قاعدة “السياحة رهان ثقافي والثقافة رهان سياحي”. فعلى الفاعلين السياحيين أن ينسجوا شراكة فعلية مع الفاعلين الثقافيين للاشتغال معا على تثمين صورة المغرب الحداثي المتعدد بروافده الثقافية، وجذوره الحضارية وممارساته التراثية. لا يجادل أحد في كون تنمية العرض الثقافي الموجه للسياح الأجانب دعامة أساسية لتوسيع دائرة الجذب والاستقطاب لإشهار مقومات الرأسمال الرمزي، وضمان تداولها وتناقلها عبر الأجيال، إضافة إلى كونها رهانا محوريا للتنمية الاقتصادية المستدامة.
في هذا السياق، تساهم التظاهرات الفنية في السياحة الثقافية من خلال الاشتغال على فضاءات التراث المادي وتثمينه، وكذا على نماذج التراث اللامادي الحي المعتمدة من لدن منظمة اليونسكو منذ عام 2003 التي تشمل الممارسات، والتمثيلات، والتعابير، والمعارف، والمهارات العملية والأدوات، والصنائع، والأشياء الاستعمالية، والفضاءات الثقافية المرتبطة بها. نماذج تعتبرها المجتمعات والجماعات جزءا لا يتجزأ من تراثنا الثقافي، وتحرص على صونها والمحافظة عليها، وضمان استمراريتها، واندماجها وتفاعلها مع الطبيعة والتاريخ والإحساس بالهوية واحترام التعدد الثقافي والإبداع الإنساني. لا غرابة، إذن، أن تحفل برامج التظاهرات الفنية بأنشطة متنوعة تعرف بهذه التمظهرات التراثية الحية، وتنفرد بمحترفات تكوينية موازية حولها، وبزيارات ميدانية لمواقعها وفضاءات اشتغالها”.
واختتم برنامج المرحلة الثالثة من الدورة العشرين لربيع المغرب التشكيلي الشبابي بورشة نحت لفائدة الطلاب تحت إشراف الفنان محمد العادي، كما تم نقل المعرض للمركب الثقافي خير الدين، ثم للثانوية الإعدادية محمد السادس، مع عرض الروبورتاجات المنجزة من طرف التلاميذ، في إطار مسابقة مُنحت خلالها جائزة أحسن روبورتاج.
ومن أحسن اللحظات، أيضا، التي عاشتها وقائع التظاهرة الثقافية في دورتها العشرين، تتويج أسماء رسخت وجودها الفعلي في الساحة الثقافية المغربية والعربية والدولية، ويتعلق الأمر بكل من الدكتور والناقد الجمالي عبد الله الشيخ، والمصمم الإعلامي والكاتب والفنان التشكيلي محمد سعود، بجائزة محمد أديب السلاوي في البحث والنقد التشكيلي، في حين حاز النحات العالمي محمد العادي جائزة أكادير للإبداع التشكيلي. وهؤلاء المتوجون قدموا محاضرات على مدار أيام الحدث الفني والثقافي، استفاد منها الحاضرون من طلاب المعاهد والجامعات، فضلا عن جمهور ميتم بمثل هذه اللقاءات الجادة والموضوعية.

